محمد لعفو: أخيرا تزين الرجل بزينة الموت بعد أن كان يأخذ زينته عند كل مسجد، و صلى صلاة الصبح كعادته، ليبدأ يوما ليس كالأيام…عسعس الليل ثم تنفس الصبح تم انقطعت الأنفاس، أنفاس مناضل شرس تربى على القيم الإسلامية والإنسانية، وخطفه الموت بغتة،  فحشره الصديق والخصم في مقام الطيبين الصادقين في القول والفعل، مصيبة الموت نزلت في رحلة الشتاء فترحل الرجل الفاضل قبل أن تتفتح الأزهار، وقبل أن تهب رياح الإصلاح التي كان يحب لها أن تكون رياحا قوية… لقد رحل أطيب من فينا، فاتخذ تحت الأرض مسكنا جديدا، ولسان الحال  يحكي أن الموت أصبح يغار من النحل ويتبع سيرته، فيأخذ من الزهور أجمل ما فيها، فكان ما كان من جراحات لا التئام لها…

فاجتمع الناس رجالا و نساء، ومن كل أطياف المجتمع وألوانه السياسية، ليشهدوا حفل التأبين الذي نظمته الكتابة الإقليمية لحزب العدالة والتنمية بجرسيف بعد الوفاة  المفاجئة للأستاذ عبد الإله مكي، وأجمع من عاشروه في كلماتهم أنه رجل في زمن قل فيه الرجال، وأنه رجل تحمل الأمانة بعدل، فكان تقيا نقيا، ولم يكن ظلوما و لا جهولا. الحق أنه عاش داعيا للخير واعظا الناس محاولا الإصلاح ما استطاع ، و تميز عنا جميعا بكونه من رجال السياسة الذين امتلكوا كفاية الجمع بين الهدوء والصرامة، وشاءت إرادة الله عز وجل وحكمته أن يكون زمن ابتلائه في الحياة الدنيا قصير جدا،  إذ رحل قبل أن يبلغ أشده، لكننا نحسب أن الله قد وزع أخانا الفاضل أن يشكر نعمه وأن يعمل صالحا و أن يكون بارا بوالديه قبل أن يدعو دعاء الأربعين…

كان ابن الراحل يحلق بين الحاضرين كالطائر الجريح، نظراته كانت تنذر أن الحياه الدنيا إلى الزوال، وأنها متاع الغرور… اغرورقت عيون متتبعي حفل التأبين بالدموع، فلا أحد منا كان يقوى على تحمل مشهد طفل لم يشبع من أبيه، ولا مشهد  تلك الأسرة الطيبة التي تحملت عناء السفر إلى مدينتنا الصغيرة لتسمع من الناس ما سيقولونه ويشهدون به في حق ابنهم البار.  أبوان لا حول لهم و لا قوة، ربما كانا يمنيان نفسيهما أن يموتا قبل هذا المصاب الجلل لكن إرادة الله النافذة تعكس أحيانا إرادة الآباء والأمهات فيترحل أبناؤهم قبل أن يترحلوا… كان عزاؤهم أن المتدخلين تحدثوا بما يوجب الجنة لزميلنا الراحل، وفهم الحاضرون أن مصيبة الموت ليست بالأمر الهين، وهي التي تتخذ من الأحياء هزؤا من حيت لا يعلمون و لا يفهمون و لا يعتبرون، ونادى مناد  من حلبة الحفل أن كل نفس ذائقة الموت و أن الله سيوفي للعباد أجورهم يوم لا ينفع مال، و لا بنين ، ورسالة المقرئ للحضور: أن  تكاثروا بالمال و البنين والمتاع أو لا تتكاثروا ففي الخفاء من يرتب للحظة التي سيتذوق فيها الجميع الموت.

لم أر فيك يوما الرجل الذي يزاحم الاخرين على القيادة، و إن كنا من الذين لم تتح لهم فرصة التعرف عليك أكثر، رغم أنك كنت أكثر إلحاحا على أن نلتقي ونتحدث في قضايا الحزب وفي مشاكله أيضا، لم تسنح الفرصة لأننا كنا نظن جهلا أن الحياة طويلة، وأننا سنلتقي بعد أن نفرغ، ولم نكن نظن أن سنة الحياة تقتضي أن نفرغ منها، قبل أن نفرغ من مشاكلها، لكن قبل كل شيء فقد كنا ندرك أن المشروع يوجد في أياد أمينة فلم نكن نبالي و أصبنا بمصيبة الوهن والضعف و الاتكال…اخر مكالمة بيننا طلبت مني أن أتجاوز وقلت أن أي قرار تشوبه شوائب النقص البشري وسوء التقدير، لكن قدرنا نحن أبناء العدالة والتنمية أن يصبر بعضنا على البعض، وأن نتبع أسباب الائتلاف ونتجنب أسباب الفرقة . ومع أنني كنت أردد دائما أن عبادة الله أولى، و أن المصباح ليس بصنم و لا بإله يعبد، فقد أدركت الان صواب ما كنت تقوله، و تلك عادة التلاميذ، فهم يحتاجون في غالب الأحيان إلى قليل من الزمن، ليفهموا مقاصد معلميهم..

اعذرني أيها الرجل فقد أفشيت ما كان بيننا، واعذرني مرة أخرى لأنني تصرفت  و لم أنقل الرسالة بنفس الحرقة التي كنت أتحسسها في نبرة صوتك واعذرني أيضا لأنني أحببتك في الله، وزاد حبي لك الان من حيث لا أملك إلا أن أدعو الله أن ينزلك منزلة الشهداء و الصديقين…

وداعا أيها الرجل الطيب و إلى اللقاء في دار الخلد حيث نمني أنفسنا أن نجتمع في الجنة، و نكحل أعيننا بالنظر إلى بعضنا البعض، و تزول نار الشوق المتقدة في أحشائنا،  بعد أن نشرب من الحوض، حوض نبينا عليه السلام شربة تزيل ظمأنا إلى الأبد…