محمد لعفو : وقعت الواقعة و تلقينا النبأ لعظيم، لقد قضت محكمة الأرض المغربية بسجن أبناء الريف ما تبقى من حياتهم، خمس قرن لكل واحد من الشرفاء الذين أعياهم الفقر و الفاقة، فخيل لهم أن حرياتهم لم تصادر كما صودرت أرزاقهم، و لما وجدوا في عقيدتهم الأشعرية أن كل من يدب، على الله رزقه، و وجدوا في دستورهم أن الحياة و العمل و التظاهر حقوق مكفولة، تمنوا على المخزن الأماني، و ما كان لهم أن يفعلوا لأن العدة لا تكفي و الزاد قليل، و راحوا يحتجون و ينددون بسياسة التفقير و التهميش و سياسة ‘طحن أمو’ مادام لا يبالي بالأوامر و لا يكترث بما يخطه الظالمون في الزمان و المكان، تعلموا أن الساكت عن الحق شيطان أخرس، فخرجوا إلى الشوارع فبحت حناجرهم، و بح مستقبلهم و بح الوطن الذي يحتضننا و إياهم ، لكن قوى الاستكبار لم تبح، و لم تخجل وأبت إلا أن تقذف بهم في غيابات السجون. و لسان حالها يحكي مادمنا لا نستحي فلنفعل ما نشاء .
ماذا ستقولون أيها القوم لعبد الكريم الخطابي حين يسألكم أمام قاضي السماء: ماذا فعلتم بأبنائي بعدي، ماذا فعلتم بالجوعى و العراة، ماذا فعلتم بمن استقبلكم بالورود فنلتم أجر نشر الإسلام و أجرة التمكين في بلاد تمازغا، لقد جرت أعراف البشر في كل مكان و زمان أن يشفع صلاح الأب للابن حتى بعد موت أبيه،فكيف طاب لكم أن تتمردوا عل الأعراف و على الأخلاق و على القوانين. و كأنكم مجرد هياكل لا غير.
لقد كنتم وعدتمونا أيها المتحكمون، أنكم إذا ما أحببنا ملكنا و وطننا ستتركوننا بسلام فها نحن قد فعلنا ما تطلبون حتى قبل أن تطلبوه _إن كنتم فعلا تطلبوه_، فمالكم كلما جعنا و خرجنا إلى الشوارع لنخبركم أننا قد جعنا، تتراجعون عن وعدكم و تفتحون السجون في كل مكان، و تنهالون علينا بالعصي و كأننا لسنا منكم و لستم منا، ليتكم أخبرتمونا أنكم غير معنيين ببناء وطن ينعم فيه الكل، و يتساوى فيه الجميع، لكن نفاقكم و الخوف الذي يسكن في دواخلكم يمنعكم من قول الحقيقة، و الاعتراف بالخطأ، أما نحن فستخبركم أيها المستكبرون أنكم لستم منا لأنكم لا تبالون بنا، و لأنكم تتجاهلون دموع أمهات أهالينا في الريف و آهاتهن، حتى أنه يخيل إلينا أنكم ترقصون على نغمات أحزانهن، و كأنكم مجرد هياكل بشرية تسكنها غرائز التوحش و الاستكبار.
سيولد قوم كثيرون و يكبرون و يتزوجون و يموتون، و انتم هناك في السجن أيها المرابطون؛ تتألمون تحلمون بوطن يتسع للكل، لأبنائكم و لأبناء هذا الوطن الجريح، تحلمون بمستقبل زاهر لأبنائهم، و يجعلون أبناءكم أيتاما و أنتم تنظرون، وتتمنون حياة طيبة لبناتهم فيجعلون نساؤكم أرامل و أنتم أحياء ترزقون… لا نملك لكم في هذا الوقت بالذات نفعا و لا ضرا، فأنتم تعلمون أن أشواك الظلم قد أينعت في كل مكان، و أن الوهن قد أصابنا حتى أننا أصبحنا مثل الدول العربية التي تستنكر و تدين، و إن شئت فقل أننا أقل منها شأنا و إقداما لأننا نفعل ذلك بأسماء سميناها نحن و لم يسميها آباؤنا… نستعيرها و نسب بها من نشاء، و نثني بها على من نشاء، و بذلك لا نستطيع تغيير شيء، لأن في سنن الكون كلام مسطور مفاده أن الجبن لا يقيم وطنا، و لا ينصر مظلوما.
أيها الريفيون لقد كتب لكم أن تكونوا خير أمة أخرجت في المغرب فلا تحزنوا و لا تأسوا على القوم الظالمين، لقد قدمتم أجسادكم حبا لهذا الوطن و تفوقتم على الآخرين بنكران الذات، و تقديم التضحيات فنالكم سخط المخزن، فصبر جميل، و لا يصيبنكم الملل و كثرة الانتظار فتيأسوا من روح الله، فإن الله قادر على أن يأتيكم برفاق الدرب و بما كنتم تطلبون.
أيها الريفيون لقد أنزلتم في منازل الذين ظلموا مع أنكم لم تظلموا أحدا، و لم تقطعوا شجرة و لا طريقا، و لا رحما، و صحتم بأعلى صوتكم أنكم مغاربة و ملكيين، و لا شيء مما قلنا قد شفع لكم … و مع ذلك فقد نلتم شرفا لا يستحقه القاعدون، و الجبناء الخائفون، و الجلاد وحده من يتحسس قوتكم و إقدامكم لولا أنه من المفندين…
و لا يسعنا في الأخير إلا نردد معكم الأغنية الخالدة لناس الغيوان: يا جمال رد جمالك علينا حنا أولاد الناس و في العز تربينا و تجي……