نيران اليأس والبطالة والفقر واللاتربية

أرقام تشي بفظاعات

*انتقل معدل البطالة وسط الشباب المغربي من 20% إلى 25%. كما أن عدد العاطلين انتقل من مليونين إلى أكثر من 3 ملايين عاطل سنة 2017 (م.س.ت) *.

*ارتفع معدل الفقر في المغرب إلى 45%، كما أن الطبقة المتوسطة انخفضت إلى 40% والأشخاص الذين يعيشون تحت وطأة الفقر الشديد ارتفعت نسبهم إلى 13%، منها 44% لدى لذكور و57% لدى الإناث. أما الشباب فتتجاوز نسب الفقر في أوساطهم 75% (م.س.ت).

*نسبة الأمية الأبجدية في أوساط الشباب تتجاوز 50%، 77% بالنسبة للإناث و47% للذكور.

*كل 40 ثانية ينتحر مغربي، أي 800 ألف حالة انتحار كل سنة (م.ص.ع) **؛ وهو السبب الثاني لوفاة الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و29 سنة (إما بمبيدات أو شنقا أو بجرعات مخدرة قوية). ويأتي المغرب في المرتبة الثانية عربيا بعد السودان.

استقراء هذه النسب

1 ـ اللاتربية: من خلال بحث عينة صغيرة، ممثلة للتربية الأسرية، سنقف على أن الأسرة المغربية، في المتوسط، أخذت أدوارها في الانحسار، لتتحدد فقط في الإطعام والمبيت وتغطية الحاجيات الضرورية؛ وبذلك تكون قد انسلخت عن دورها الرئيس في منح أطفالها جرعة من العطف والتربية وغرس القيم..وبهذه الوضعية تكون قد تحولت العلاقة الحالية (زمن الألفية الثالثة) التي تربط الأسرة بأبنائها إلى علاقة “أولادْ واطْلاقْ”، والتي تعني في عرف المغاربة ترك الحبل على الغارب أمام الأطفال، فينشؤون نرجسيين حريصين على إشباع غرائزهم ونزعاتهم المادية، لا تستحضر بوصلتهم أي اعتبار للآخر، أشبه بالذوات الهمجية التي يصعب على أصحابها الاندماج في أوساط أخرى مغايرة لها؛ وهو ما يمكن معاينته عن قرب ضمن سلوكيات رعناء شبقية، تحاصرنا في كل مرافق الحياة اليومية، سمتها العنف والعتو والاغتصاب!.

2 ـ اليأس والإحباط: حينما يحاصر الشباب بانسداد الآفاق وانعدام الحيلة أمامهم يدب إليهم الشعور باليأس، وتسودّ الدنيا في وجوههم؛ حالها يرتمون في أحضان المخدرات، يتعاطونها أحيانا إلى درجة الإدمان، ما يحتم عليهم الدخول في صراع ـ بالكاد مميت ـ مع أهلهم والمجتمع، ليصلوا إلى إشباع حاجتهم من هذا الأذى، بغرض إما حجبهم عن رؤية الواقع كما هو أو الوصول إلى محوه من ذاكرتهم نهائيا. وما أكثر اليأس المفضي إلى الانتحار!.

3 ـ اللاشغل المفضي إلى أي شغل!: بالنظر إلى أرقام البطالة ومعدلاتها في أوساط الشباب، يتأكد وجود “هامش للحرية” أو بالأحرى الفوضى من خلال السطو على الملك العمومي والفضاءات العامة، واتخاذها معرضا لشتى السلع، تضيق بها الشوارع إلى حد الاختناق؛ وبالتالي تتعطل حركية السير حتى على الراجلين. أما الأحياء والأزقة فتعرف أعشاشا متنقلة للاتجار بشتى أنواع الممنوعات من مخدرات وتهريب وخمور ودعارة مكشوفة، حتى أصبحت “قطاعا اقتصاديا” مدرا للربح السريع؛ لم تخل منه حتى البوادي والقرى النائية، وتتولد عنه أجواء مشحونة بالعنف وامتهان الجريمة بجميع صورها. كما أن القوانين الزجرية في تعاطيها مع الشباب الجانح تظل ضعيفة، لاسيما في ظل انفتاح السلطات المغربية على حقوق الإنسان، ما حدا بمعظم الجانحين إلى ركوبها وإتيان جرائم جد فظيعة، ولا يتورعون عن حماقاتهم حتى ولو ظلوا في السجن لأمد طويل..

4 ـ الفقر: غريزة الجوع تحتم على الكائن البشري، شابا كان أو شابة، أن يبحث عن سد رمق جوعه بوسيلة أو أخرى بغض الطرف عما إذا كانت مشروعة أم لا، ولعل أقربها وأيسرها، داخل المجتمع، السرقة التي تتطور لديه مع الأيام لتصبح سطوا وقطعا للطريق والقتل أحيانا إذا كان سيفضي إلى السطو على مال أو متاع. لكن بالنسبة للفتاة الفقيرة، والتي وجدت الأبواب موصدة في وجهها، تضطر مكرهة إلى غشيان أوكار الدعارة والرقيق الأبيض.

نفسية شباب تطاردهم هذه النيران

شاهدنا مؤخرا، ضمن بعض الأشرطة التي تتداولها على نطاق واسع وسائط التواصل الاجتماعي أن هناك مظاهرات احتجاجية، ذهبت نيران اليأس والفقر بالمشاركين فيها إلى حد المطالبة علانية بإسقاط “الجنسية المغربية” عنهم..ومنهم من رفع أعلام دول أجنبية إمعانا في الكيدية والعدوانية..ومنهم من اندس ضمن طوابير الهجرة السرية، وعند سقوطهم بأيدي حرس الحدود الإسباني طلبوا حق “اللجوء السياسي”، هربا من نيران الفقر التي تركوها خلفهم!.

فالمغرب، وفي ظل الحكومة الحالية، التي طال أمد سباتها، عليه أن ينظر إلى ظاهرة “الشباب المحترق” بمثابة بركان قابل للانفجار في كل وقت وحين، وفي انفجاره (لا قدر الله) تسونامي مغربي يأتي على الأخضر واليابس!.