شكل فيروس “كورونا”، الذي يجتاح العديد من بلدان العالم والذي كانت بداية ظهوره بجمهورية الصين، لحظة لكشف مدى جاهزية الدول للتصدي للتهديدات غير التقليدية، حيث تتخبط الدول الكبرى والصغرى في إدارة هذه الأزمة.

وعرفت خطة مواجهة فيروس “كورونا”، الذي اجتاح مختلف دول العالم، تذبذبا واضحا، حيث نجحت بعض الدول في مواجهته، بينما لا تزال أخرى تتخبط في ذلك بما فيها الدول المتقدمة؛ وهو الأمر الذي يُبين أن دولا اتبعت إستراتيجيات محكمة قللت من مخاطر المرض.

وحسب دراسة تحليلية أجراها مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المستقبلية، فإن ثلاث دول حققت نجاحات ملحوظة في مواجهة المرض، ويتعلق الأمر بكل من سنغافورة وتايوان وفيتنام، والتي تمكنت من احتواء الفيروس والحيلولة دون انتشاره على نطاق واسع بين مواطنيها؛ على الرغم من وقوع البلدان الثلاثة داخل الإقليم الجغرافي المباشر للصين التي تُعد بؤرة انتشار الفيروس في قارة آسيا والعالم أجمع، إلى جانب الروابط البشرية والتجارية القوية التي تجمعها مع الصين.

ويرى المتتبعون أن نجاح سنغافورة في مواجهة الفيروس والحد من انتشاره بالبلد يرجع بالأساس إلى اتخاذ إجراءات متنوعة؛ على رأسها إخضاع جميع مرضى الالتهاب الرئوي لاختبار فيروس “كورونا”، مما سهّل من فرص الكشف عن حالات الإصابة بين الأشخاص الذين ليس لديهم تاريخ سفر حديث إلى الصين، إلى جانب تقديم العلاج المجاني لجميع الحالات المشتبه فيها والمؤكدة إصابتها بفيروس “كورونا”.

كما عملت سنغافورة، وفق الدراسة التحليلية، على رفع حالة تأهبها لفيروس “كورونا” إلى اللون البرتقالي، وهي ثاني أعلى درجة تهديد، وفرضت الحجر الصحي على كل من كان لديه سجل سفر للصين، وأي شخص كان على اتصال وثيق مع شخص مريض، وأجبرت كل من يدخل المستشفيات وأماكن العمل على ضرورة قياس درجة حرارته أولًا، وتم إلغاء الأنشطة الخارجية والفاعليات داخل المدارس حتى نهاية شهر مارس الجاري.

أما التايوان، فقد نجحت في مواجهة الفيروس عن طريق فحص جميع ركاب الرحلات الجوية المباشرة من مدينة ووهان الصينية قبل وقت طويل من رصد أول حالة إصابة بالفيروس داخل البلاد، كما عملت على توظيف التكنولوجيا المتقدمة من أجل التصدي للفيروس.

وساهم تصنيف الحكومة التايوانية فيروس “كورونا” على أنه مرضٌ مُعْدٍ قانونًا في 15 يناير الماضي في الحد من انتشاره، حيث سمح لها ذلك بالحجر الصحي للأشخاص الذين ثبتت إصابتهم، ومنع جميع سكان البر الرئيسي الصيني من دخول البلاد في 6 فبراير الماضي.

أما الفيتنام، فقد عملت مبكرا على وقف حركة الطيران مع الصين، وأغلقت جزئيًّا حدودها البرية معها، كما منعت المجموعات السياحية القادمة من الصين من دخول أراضيها، ناهيك على فرضها حجرًا صحيًّا كان الأول خارج الصين على منطقة سون لوي القريبة من العاصمة هانوي، ويسكنها 10 آلاف شخص، خشية تفشي فيروس “كورونا”.

واستطاعت هذه الدول الثلاث، بفضل التزامها بالشفافية، بمواجهة الفيروس، مقابل اعتماد بعض الدول سياسة الإنكار على مواطنيها، على غرار إيران التي تتهم أعداء البلد بالمسؤولية عن تفشيه، حيث حثّ رئيس وزراء سنغافورة مواطنيه على الاتحاد واستعداد الحكومة للتعامل مع هذا الوضع مقارنة بما كانت عليه وقت اندلاع فيروس “سارس”.

أما تايوان، فقد اتخذت حكومتها على الفور تدابير لمنع انتشاره، إذ قامت بتأسيس مركز القيادة المركزية للوباء (CECC) في يناير الماضي، والذي يقوم بصورة شبه يومية بعقد مؤتمر صحافي للإعلان عن أحدث إجراءات ومعلومات عن الفيروس، وكذلك توضيح الشائعات التي تنتشر على وسائل التواصل الاجتماعي؛ فيما عملت الفيتنام على إحاطة الشركات والجمهور بكافة المستجدات المتعلقة بالفيروس، وأنتجت فيديو لإبراز كيفية الوقاية منه، والتأكيد على دور النظافة الشخصية وغسل اليدين وتجنب ملامسة الوجه قبل غسل اليدين في الوقاية من الإصابة.

وحسب الدراسة المذكورة، فقد ساهمت هذه الإجراءات الاحترازية من طرف الدول الثلاث في محدودية حالات الإصابة المؤكدة، إذ سجلت كلٌّ من سنغافورة وتايوان وفيتنام عدد حالات إصابة أقل بكثير بفيروس “كورونا”، كما سجلت قلة حالات الوفاة، حيث سجلت حالة وفاة وحيدة في تايوان في رابع مارس الجاري بينما سنغافورة والفيتنام لم تسجل أية حالة؛ بينما أعلنت الفيتنام، في 25 فبراير الماضي، عن تعافي كافة المصابين لديها البالغ عددهم 16 مصابًا، ولم تسجل البلاد أيضًا حالات إصابة جديدة خلال الأسبوعين الماضيين.

ويؤكد الباحثون أن الاعتراف المبكر بالأزمة والإحاطات الإعلامية اليومية للجمهور والرسائل الصحية البسيطة والدقيقة في الوقت المناسب يمكن أن تتمكن الحكومات من طمأنة المواطنين، وأن تقدم نماذج ناجحة للاستجابة السريعة والفعالة لهذه الأزمة الصحية العالمية.