يبدو أن الاتحاد الأوروبي يعيش أوقاتاً عصيبة، فبعد الخروج المدوي للمملكة المتحدة من الاتحاد (بريكسيت)، تواجه هذه المجموعة غير المتجانسة بالضرورة مشاكل من قبيل الإعلان الوشيك لبعض الجهات استقلالها عن السلطة المركزية للدول الأعضاء. ويمكن اعتبار كاطالونيا الورقة الأولى في لعبة ورق مُعْدِية قد تعصف باستقرارات تأسست قسرا بعد الحرب العالمية الثانية، إبان عقد اتفاقيات هشة وإحداث منظمة الأمم المتحدة ونهاية ما يسمى بالاستعمار المباشر.

الأكيد أن التوازنات التي استمرت منذ ذلك الوقت في “القارة العجوز” تتزعزع شيئا فشيئاً، والحاجة ملحة الآن لإعادة النظر في بعض “المسَلَّمات” التي اعتبرتها القوى الاستعمارية السابقة تحصيل حاصل. فقد تبدت هشاشة العيش المشترك الرغيد بين الإخوة الأعداء الذين تناحروا لقرون ومارسوا ضد بعضهم البعض ما يعتبر اليوم في قاموسهم جرائم حرب. والمقصود طبعاً الفاعلون التاريخيون في القارة الأوروبية: فرنسا، ألمانيا، إنجلترا، إسبانيا وقد نضيف إليها بعض الدول التي كانت لها مواطئ قدم مستعمرة مثل إيطاليا وبلجيكا والبرتغال وهولندا…

الأمر يبدو كأن سبب تلك الهشاشة هو في الأصل الفارق بين “سرعة نمو” هذه الدول والدول التي كانت تنتمي إلى المعسكر السوفييتي وانضمت إلى الاتحاد بعد سقوط جدار برلين، وكذلك بين شمال القارة وجنوبها. وقد عزا بعض “المحللين” ذلك إلى اختلاف الثقافات التاريخي: فليس من تربى في إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس كمن تربى في دويلة أشبه بقرية، ومن رضع اقتصاد السوق من ثدي أمه (وبالأحرى من الرضاعة) ليس كمن تشبع بأفكار اشتراكية وكان أقصى حلم أبويه اقتناء سيارة “لادا” وتمضية إجازة العمر في “داتشا”.

لكن ألا تجدون أن هذه التبريرات واهية؟ لأن التكتلات الدولية تُبنى أساساً على موازين القوى والمصالح المشتركة، ولا أدل على ذلك من أن بريطانيا رغم أنها كانت عضوا في الاتحاد الأوروبي لم تتبنَّ العملة المشتركة “اليورو” ولا فيزا “شينغن” قط، لأنهما ببساطة ليسا في مصلحتها الوطنية، ولأنها كدولة قوية تستطيع فرض شروطها على باقي الأعضاء.

إذاً، لا بد من سبب آخر حقيقي لهشاشة البنيان الأوروبي، وها قد فضحته “الحالة اليونانية”. تعود اليوم إلى الواجهة اليونان التي عانت الأمرين بعد الأزمة المالية سنة 2008، وعرفت حراكا اجتماعيا وصعود رئيس حكومة اشتراكي واجه “بروكسيل” بالحقيقة وتفاوض بما استطاع وحصل على تسوية كالمنزلة بين المنزلين. تعود اليونان لفضح تعامل البنك الأوروبي الذي منحها قروضاً موجهة في المرحلة الأولى إلى “تأهيل” الاقتصاد اليوناني حتى يقترب شيئاً ما من الاقتصادات الأوروبية الرائدة، ثم في المرحلة الأخيرة “لإنقاذ” هذا الاقتصاد. تتهم الدولة اليونانية اليوم هذا البنك والاتحاد الأوروبي بتحميل دافعي الضرائب اليونانيين أكثر مما يتحملون لأن تلك القروض بلغت فوائدها “بطرق ملتوية” مبلغا خياليا هو: 7,8 مليار يورو، كما فرضت نفس الجهة المانحة على اليونان سياسات “إعادة تقويم” كانت لها انعكاسات كارثية على المواطنين وبالتالي على السلم الاجتماعي في البلد.

أليس هذا كافياً للوقوف على السبب الحقيقي لضعف الاتحاد الأوروبي؟ وهو بلا شك سياسة الكيل بمكيالين واستغلال القوي للضعيف مرحليا، أي تفقير الفقير من أجل إغناء الغني. باختصار، حين تكون للمال الكلمة الأولى والأخيرة في السياسة فانتظر الساعة!

م.ا.هـ –