معاش اسلاسلي: مرت ما يزيد عن الشهر منذ بداية حملة المقاطعة لبعض المواد الاستهلاكية الاساسية التي تحتكرها بعض الشركات الكبرى دون أن تتدخل الحكومة لمعالجة مشكلة من أخطر المشاكل التي عرفت البلاد. ذلك ان أسلوب الاحتجاج وإن كان سلميا فإن آثاره ستكون مدمرة ليس على الصعيد الاقتصادي فقط، بل على الصعيد السياسي والاجتماعي كذلك.

صمت الحكومة إذن سيعطي الفرصة لتأويله تأويلا يزيد من تعقيد الوضع ويشجع فئات مختلفة، على جميع المستويات، ومن جميع الشرائح للانضمام إلى المقاطعة، وهذا في حد ذاته مؤشرا على تعقيد ملف كان من الممكن التحكم فيه وإيجاد حلول منصفة ومسيرة للجميع للخروج من أزمة تركها دون تدبير يؤدي إلى قطيعة بين البورجوازية التي تتحكم في الاقتصاد الوطني وتوجهه للإثراء غير المشروع، وبين أفراد الشعب، ضحايا جشع الشركات الكبرى والسياسة الاقتصادية التي تحمي الفئة القليلة على حساب الشعب.

قد يقول قائل أن الحكومة هي نفسها محكومة، كما قال الفنان أحمد السنوسي في يوم من الأيام، وهي كذلك لأن صمتها ليس عن طواعية، بل عن عمد وتحد كبير، لأن أغلبية أعضائها من أصحاب المال الذين اتخذوا المؤسسات السياسية، وحتى السيادية، أدوات لتدبير شركاتهم وتحصينها بالقوانين المختلفة التي تضمن هامش الربح الذي يريدونه لأنفسهم، يتحكمون في تحديده، ويؤمنونه من العوامل الداخلية والخارجية التي تؤثر عليه سلبا، وتبقى إدارة الدولة خاضعة لإدارة الشركات عكس ما هو عليه الحال في بلاد المعمور.

الشعب إذن أصبح بين فكي السياسيين من رجال الأعمال ، أو بعضهم على الأقل من أولئك الذين لهم تأثير قوي على مفاصل الدولة، هؤلاء الذين أطلق عليهم الوزير الأول السابق التماسيح، أو العفاريت، أو كلاهما معا، لا تهمهم الدولة إلا بقدر حجم استفادتهم منها، فإذا انعدمت الفائدة والإمتيازات تنكروا لها، لأن الوطنية عند هؤلاء لا تتقاطع مع المال في أي حال، ولا يهمهم الشعب الا بقدر الفوائد والأرباح التي يجنونها منه مقابل خدمات وسلع تسوقها شركاتهم، لا ترقى إلى الاستهلاك البشري بفساد موادها والغش الذي يطالها كما وكيفا.

هؤلاء يعتبرون أنفسهم من كبراء القوم، لا يسري عليهم قانون، ولا تجري عليهم مسطرة، ولا يخضعون لنظم، هم فوق الشعب وفوق القانون، يأمرون فيطاعون، ليسوا وحدهم، لهم تبع من جميع الفئات، من الصغار، من “المثقفين” أصحاب الشواهد العليا، تجد من بين هؤلاء موظفون في الإدارة، وأصحاب مهن حرة، وصحافيين، وأساتذة، ومحللين، وفنانين وحتى العاطلين، وغيرهم. خلاصة القول ان لهم شعبا خاصا بهم، كأحزابهم الخاصة، ونواديهم الخاصة، ومسابحهم وشواطئهم الخاصة، وطائراتهم الخاصة…

هل بعد هذا كله هل يحق لنا ان ننتظر من الحكومة التدخل للبحث عن حل لمعضلة أكبر من صلاحياتها إذا كانت محكومة ؟ طبعا لا ننتظر حلا لأن مدراء الشركات الثلاثة قدموا عروضا “للمصالحة” ترتكز على الحفاظ على مصالحهم، وتربط الأسعار بخفض الضرائب، يصرون على ذلك لشعورهم بالقوة أمام شعب ضعيف لا يقدر على شيء، شعب المداويخ وقطيع الماشية، لقد أكدوا ذلك ورفضوا حتى الإعتذار عن الإهانة.

هؤلاء ومن في شاكلتهم أوصلتهم الثروة الى أعلى هرم السلطة، استعانوا بالقواعد، يعني بالقطيع والمداويخ، عبر إنتخابات يوجهها المال الوجهة المعروفة، لا تهم طبيعة “البرامج” المسطرة في ملصقات الدعاية، ولا التجمعات هنا وهناك في المهرجانات الإنتخابية المضحكة، كل ذلك مجرد تأثيث تحتاجه دمقراطيتهم، يصلح للدعاية والإشهار، نماذج من تقنيات “التسويق” السياسي، كالتسويق الآخر في علم التجارة لأنهم تجار، الكل عندهم قابل للمساومة والبيع والشراء، ازدواجية المال والسلطة عندهم مكسب لا يمكن التنازال عليه ولو اقتضى ذلك إلقاء الشعب في البحر، “الشعب الزبون” يجب ان يخضع لسياسة الشركة، هو من رقيقها، يجب ان يحل “شعب الزبناء” محل “شعب المواطنين” وجعل المال هو مصدر السلطة الوحيد، التفكير بهذا المنطق، سيجر حتما إلى التصادم، إلى الحقد والكراهية، إلى الإقصاء والفوضى، إلى سمو طبقة النبلاء على طبقة العبيد.

ماذا بعد المقاطعة وقد بينت أن الشعب يخوض معركة شرسة دون نتيجة، بينت ان ثقة الشعب في مؤسساته تضررت إلى حد يصعب ترميمها ما دام هؤلاء في السلطة، أغلبية الناس ينتظرون التغيير، ويطالبون برحيل من تسبب في هذه الازمة، لكن من أين يأتي البديل والأحزاب كلها شاركت في هذا الوضع السيء، واختارت الوقوف مع أصحاب المال، وتركت الشعب عرضة للابتزاز والإهانة، وشكلت فرقا في البرلمان لخدمة أصحاب المصالح، وتسترت على فضائح تدخل تحت طائلة القانون.

إذا كان الانحراف وصل إلى بعض المؤسسات الدستورية، أحزابا ونقابات، كيف سيتصرف الشعب إذا نودي عليه في الانتخابات البرلمانية والجماعية ؟ كيف يبني الثقة من جديد في أحزاب لا تشعر بوجوده إلا في تلك المواسم ؟ أم تراه يقاطعها كما قاطع المواد الضرورية ؟ كيفما كانت الأحوال فمن الصعب أن تنسى الذاكرة الشعبية ما لحق المداويخ من أضرار وإهانة، ومن المستبعد ان يتخلى الشعب عن استعمال المقاطعة كوسيلة للدفاع عن حقوقه حتى يسترجع سلطته المسلوبة منه لتبقى مقاطعة مواد بعينها لشركات محددة مجرد بداية لمعركة طويلة لا تحتاج إلا إلى العفوية ما دام مفهوم التنظيم والهيكلة انسلخت منه جميع الأحزاب والنقابات لترتمي في أحضان أصحاب المال والأعمال.