عمر صديق

«الشعب يريد إسقاط النظام»…«الشعب يريد إسقاط النظام»…كان هذا الشعار أول مطلب انساقت وراءه الشعوب الثائرة والمطالبة بإزالة الحاكم، الذي جاء إلى كرسي الزعامة عبر انقلاب أو بالتوريث أو بالتعويض كحال مصر عندما تم اغتيال أنور السادات وعوّض بحسني مبارك، وكما فرض الزعيم نفسه على الشعب قام هذا الأخير بالمثل حيث تمرد واحتج ، وبإلقاء نظرة عميقة على تلك الدول التي تخلصت من الحاكم المستبد الديكتاتوري،هل فعلا استطاعت تحقيق مطالبها التي كانت تنشدها وقدمت من اجلها التضحيات ؟ هل نالت حقوقها في  الحرية والعدالة و التعددية ؟

تونس كانت هي البلد الذي أطلق الشرارة للثورات العربية،صحيح أن انتفاضتها الشعبية لم تدم حتى شهرا كاملا،توّجت بفرار الرئيس،خوفا على نفسه من قبضة الشعب،بعدها دخلت البلاد في مخاض عسير،لكن تلاحم الشعب فيما بينه وتغليب مسئوليه مصلحة الوطن فوق المصلحة الخاصة أتى أكله وانتهى الأمر بإعداد دستور لمّ شمل الكل وبهذا تكون تونس تضع نفسها على السكة الصحيحة،نحو بناء جديد و التخطيط لمستقبل يكون أفضل من الماضي الكئيب،لكن لا احد يعلم ماذا يخفي القدر فيما هو آت مع الأيام، لربما تعود الديكتاتورية أو تتبخر تلك الوعود التي علق عليها الشعب آمالا كبيرة.

 في ليبيا،ثار الليبيون بداية بشكل سلمي،مطالبين بحقوقهم مثل سائر البشر،لكن سيادة العقيد معمر لقذافي اعتبر ذلك خرقا لقانونه فأمطرهم بوابل من الرصاص،انقلبت الثورة،إلى عمل مسلح واحتدم القتال،وبمباركة النيتو تمكن المعارضون المسلحون من العقيد وزبانيته،قتل الذي حكم ليبيا أربع عقود بالحديد و النار،أصبح مجرد جثة في قفر الصحراء لا احد يعلم أين هي،ها قد سقط و سقطت معه ليبيا في المجهول،في ظل غياب جيش وطني يحفظ الاستقرار،وغياب مؤسسات الدولة التي تنظم سير البلاد و تشرع القوانين،انتشر السلاح يمينا و شِمالا،فلم تعد للدولة أي هيبة،و من سمّوا أنفسهم ثوارا و منقذين أضحوا مجرد انتهازيين يطالبون بهدايا و فديات،لأنهم حرروا البلاد من قبضة العقيد و أدخلوها في قبضتهم،للأسف لم تؤتي الثورة أكلها،لأنه لا بوادر تدل على  التقارب السياسي أو الالتئام تحت راية الوطن،هذا سبب غياب الثقة ببن الفر قاء و التركيز على الذات و المكاسب،ناهيك عن فاتورة التدخل الخارجي الذي رهن البلاد  للغرب إلى ما لا نهاية .

أما في مهد اللغة العربية وبلد الحكمة،أي اليمن لم تكن الأمور على خير منذ عهد بعيد،فالبلد أصلا مشكل من جزئين حراك جنوبي واليمن الأصل في الشمال،اتحدا معا تحت فوهات المدافع،فلم يكن هناك أي استقرار منذ البداية،ثم تراكمت الصراعات القبلية فيما بعد،ناهيك عن الحرب المريرة التي خاضتها الدولة ضد أنصار جماعة الحوثي،إضافة إلى سياسة الرئيس اليمني علي عبد الله صالح،الذي فرط في السيادة الوطنية عبر فسحه المجال أمام الطائرات الأمريكية التي قتلت أبناء الشعب بحجة محاربة القاعدة،كذلك الفساد المستشري في كل أركان الدولة،كل هاته العوامل جعلت اليمن مجرد بقعة ساخنة متدهورة في قدم الخليج،تصنف في أرذل المراتب الدولية من حيث الصحة و التنمية و…،زد على ذلك الفقر المدقع لغالبية الشعب،فطبيعي أن يحدو اليمنيون على خطى أشقائهم الذين ثاروا ضد الأنظمة الفاسدة،قدموا كل التضحيات و لم يرفعوا السلاح ضد النظام،تشبث الرئيس بالسلطة،فتخلى عنها وهو محترق البدن،طبعا ليس للشعب بل لمعارضة ركبت على تضحيات المواطنين،في اعتقادها آن مقود البلاد سيصبح تحت سيطرتها،لتتفاجأ أن أزلام النظام راسخة في جذور الدولة،ولم يتغير أي شيء،فكانت الحصيلة هي فراغ سياسي وفوضى في كل مكان،وما أجمع عليه الفرقاء السياسيون كان هو تقسيم البلاد والعباد لأقاليم قيل عنها أنها غير متكافئة تزيد الفقير فقرا و الغني غنى.

من هنا نستنتج أن لفظة الربيع العربي ما هي إلا خدعة انساق وراءها الكثير،تصارعوا فقط من اجل إسقاط الواجهة و التغاضي عن جوهر المعضلة، فإن كان الهدف هو الديمقراطية و التعددية،فلابد أولا من ترسيخهما داخل الأسرة الواحدة والتربية عليهما في المدارس،حتى تستوعبها الأجيال جيدا و تعلم حدودها،قبل أن تطالب بها و تحرق الأخضر و اليابس من أجلها.