وصف قائد فلسطيني كبير في إحدى حركات المقاومة الفلسطينية المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية، التي ترعاها مصر من أجل وقف إطلاق النار في غزة، بقوله «إن الوفد الفلسطيني المفاوض كان محشورا في مثلث: قاعدته إسرائيل وضلعاه الآخران أحدهما مصري والثاني السلطة الفلسطينية في رام الله.

بمعنى آخر، كانت فصائل المقاومة الفلسطينية التي حققت انتصارا كبيرا على إسرائيل وفي مواجهة عدوانها، عسكريا وسياسيا ومعنويا، تجلس «محشورة» وسط هذا المثلث الذي يخنقها ويريد إملاء شروطه عليها بطريقة تنطوي على الكثير من الغرور والعجرفة، حتى إن الورقة المصرية التي جاءت في اللحظة الأخيرة لإنقاذ المفاوضات من الانهيار، كبديل للورقة الإسرائيلية التي رفضتها المقاومة جملة وتفصيلا، جاءت أسوأ من الإسرائيلية، ومرفوقة بتهديد صريح وواضح: إما أن تقبلوها كما هي دون أي تعديل أو ترفضوها، فجاء القرار الفلسطيني المقاوم لن نأخذها ولن نرفضها، بل سنغادر فورا، وهكذا كان، ولكن بحجة التشاور مع المرجعيات القيادية.

المفاوضون الفلسطينيون تعرضوا لضغوط كبيرة، من الجانب المصري على وجه الخصوص، للقبول بالشروط الإسرائيلية المطروحة، وعنوانها الأبرز لا إعمار.. لا فتح معابر.. لا تمديد لمساحة الصيد.. لا تقليص للمنطقة المحظورة العازلة على الحدود.. لا ممر أو ميناء بحري.. ولا إعادة فتح المطار «إلا» بالموافقة على نزع سلاح المقاومة كليا، وإذا لم يعجبكم ذلك فاشربوا من بحر غزة، نعم.. خاطبوهم بهذا الأسلوب الفج وكأنهم تلاميذ في فصل مدرسي.

بالنسبة إلى معبر رفح، تتمسك السلطات المصرية بشراسة بالاتفاق السابق الذي جرى التوصل إليه بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، أي أن تعود مسألة الإشراف عليه للحرس الرئاسي «العباسي»، وبحضور أوربي، ومتابعة إسرائيلية لصيقة لكل داخل إلى القطاع أو خارج منه، وكأن هذه الرقابة الإسرائيلية لم تسقط بهروب شارون وقواته ومستوطنيه اعترافا بالهزيمة، واستمر المعبر بدونها لسنوات في عهد الرئيسين المصريين السابقين مبارك ومرسي.

فصائل المقاومة الفلسطينية اكتشفت، عبر ممثليها في المفاوضات، أن إسرائيل تريد إعادة احتلال قطاع غزة عبر واجهة السلطة الفلسطينية، ومن خلال تطبيق نموذج «دايتون» وقواته في الضفة الغربية؛ فبعد نزع سلاح القطاع يتم نشر ثلاثة آلاف من قوات الأمن الفلسطينية على طول حدود قطاع غزة مع مصر وفلسطين المحتلة لتوفير الأمن للمستوطنين الإسرائيليين ومنع إي أعمال مقاومة في المستقبل.

وفد المفاوضات الفلسطيني وقع في مصيدة مصرية إسرائيلية محكمة الإعداد تحاول «ابتزازه» واستغلال ميزان القوى العسكرية الذي يميل لصالح أعدائه، لانتزاع أكبر قدر ممكن من التنازلات، وإلقاء السلاح، وحل كتائب المقاومة، وتحول رجالها إلى حراس أمن لشركات الإعمار والاستثمارات العربية والأجنبية.

ندرك جيدا أن السلطات المصرية تخشى من مخطط إسرائيلي يريد القذف بقطاع غزة في وجهها وإسقاط صفة الاحتلال عنه، وهذا من حقها الذي نحترمه ونؤيده، فمصير قطاع غزة لا يمكن، بل لا يجب، أن يتقرر في معزل عن باقي الأراضي العربية الواقعة تحت الاحتلال الإسرائيلي، ولكن طريقة مواجهة هذا المخطط هي التي نختلف عليها وعلى طرق تطبيقها، من حيث خنق أبناء القطاع لأشهر عدة، ومنع أي تواصل بينهم والعالم الخارجي، وإذلالهم أمام معبر رفح وفي مطار القاهرة، وترحيلهم مثل البهائم في باصات يحرسها سجانون غلاظ. الطريقة المثلى لفك ارتباط قطاع غزة بمصر الذي تتطلع إليه وتتمناه السلطات المصرية، هو فتح ممر بحري إلى قبرص أو تركيا أو اليونان، وإعادة تشغيل مطار غزة، فالفلسطينيون ليسوا ساديين لكي يقبلوا هذا العذاب المهين الذي اسمه معبر رفح، ويجب أن تدفع بقوة عبر حلفائها الإسرائيليين والأمريكان والعرب إلى إيجاد بدائل لهذا المعبر الذي بات يشكل كابوسا لهم ولأهل غزة.

عشرة أيام من المفاوضات، وعشر ساعات من المناقشة لبنود اتفاقات وشروط تعجيزية تدور حول النقاط والبنود والمطالب الإسرائيلية نفسها، وعلى أمل إنهاك المفاوض الفلسطيني ودفعه إلى القبول في نهاية المطاف، أي تطبيق الأساليب نفسها التي تستخدم مع خاطفي الطائرات أو الرهائن، فهل المفاوضات تدور حول أسلحة وبرامج نووية أو حول تخفيض أعداد الصواريخ العابرة للقارات؟

هذه ليست المرة الأولى التي يتفاوض فيها الفلسطينيون والإسرائيليون على وقف لإطلاق النار حتى تستمر المفاوضات الحالية كل هذا الوقت، فهناك سوابق عديدة، وهناك نصوص سابقة أعدها اللواء عمر سليمان، قائد المخابرات المصرية الأسبق عام 2009، وهناك اتفاق توصل إليه الوسيط المصري عبر اللواء موافي، رئيس جهاز المخابرات نفسه، في زمن حكم الرئيس محمد مرسي القصير عام 2012، فما الذي تغير الآن، فمصر نفسها والمخابرات المصرية هي نفسها أيضا، وأهل غزة هم أنفسهم، وإسرائيل هي إسرائيل؟ التغيير الوحيد الذي نعتقده هو اقتراب السلطات المصرية أكثر فأكثر إلى نظيرتها الإسرائيلية وتبنيها لمطالبها كليا أو جزئيا، وصححونا إذا أخطأنا.

حذرنا، ونكرر التحذير، من أن هذه الاتفاقات «المتدحرجة» لوقف إطلاق النار تحت عنوان «الهدن الإنسانية» تأتي في إطار مخطط مـُعدٍّ بإحكام لسرقة انتصار أهل غزة، وإنهاء ثقافة المقاومة وفصائلها بالتالي، وإحداث فتنة بينها، أي الفصائل، وبين حاضنتها الشعبية التي توحدت بصلابة خلفها، وقدمت ألفي شهيد، وأكثر من عشرة آلاف جريح، وعشرات الآلاف من المنازل المهدمة، ومازالت مستعدة للمزيد من البذل والعطاء.

الوفود الفلسطينية عادت إلى مرجعياتها للتشاور، حيث طار السيد زياد النخالة، نائب أمين عام حركة الجهاد الإسلامي، وفي معيته السيد خالد البطش إلى بيروت للقاء الدكتور رمضان عبد الله شلح، الأمين العام، وكذلك فعل السيد عزام الأحمد، رئيس الوفد، ولكن إلى رام الله، للتشاور مع الرئيس محمود عباس؛ وكان لافتا أن السيد خليل الحية، عضو المكتب السياسي لحركة «حماس»، فضل العودة إلى قطاع غزة وليس الذهاب إلى الدوحة حيث يوجد السيد خالد مشعل، رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس»، على عكس أعضاء آخرين في الوفد، ولا نعرف ما هو السبب.

الوفد الفلسطيني المفاوض، لا يجب أن يعود إلى مصيدة المفاوضات مرة أخرى إلا إذا وجد وسيطا مصريا نزيها يؤيد مطالب رفع الحصار المشروعة، قانونيا وإنسانيا، وسحب كل البنود الواردة في الورقتين المصرية والإسرائيلية التي تطالب بنزع سلاح المقاومة.

عودة الأوضاع إلى صورتها السابقة، مع استمرار المقاومة وسلاحها أشرفُ مليون مرّة من تحويل غزة إلى «سنغافورة» منزوعة الكرامة وإعادة إعمارها، ولكن بدون المقاومة، لأن القطاع ورجال مقاومته هما شرف الأمة وعنوان كرامتها، وقاعدة صلبة لاستعادة الأراضي والحقوق المغتصبة.

غزة انتصرت بدماء شهدائها، وبطولات مقاوميها، وصمود أهلها ودعمهم، ولا يجب مطلقا التفريط في هذا الانتصار في اتفاق وقف إطلاق نار مهين يأتي على حساب البندقية الفلسطينية.