عبد الرحمان صديقي

في كل مناسبة، أزمة سياسية أو ثقافية أو دينية مع الغرب والدول المنتسبة إليه، يكثر الحديث عن المقاطعة التجارية وجدواها وطبيعتها وأشكالها، وغالبا ما تتخذ هذه الحملات أشكالا شعبوية في خدمة الليفتينغ “lifting” السياسي لتحقيق أجندات معينة على الصعيد الوطني وأهداف جيو-استراتيجية لخدمة أجندة غير معلنة على المدى البعيد. لذلك وجب توضيح مجموعة من الأمور المرتبطة بالعلامة التجارية والبلد الأصلي في زمن العولمة.

والحقيقة أنه في زمن العولمة لم تعد هناك أية علامة تنتسب إلى بلد بعينه. البضاعة الأمريكية أو الفرنسية أو الإسرائيلية بل وحتى المغربية (المُعَوْلَمة منها) تُنتج برأسمال مغربي وأوروبي وآسيوي وأمريكي، وبذكاء باكستاني وهندي وعربي، وبسواعد من كل الأجناس والبلاد. وغالبا ما يتم التصنيع بالبلد حيث الماء والكلأ متوفر بكثرة وفي المتناول (وأقصد اليد العاملة الرخيصة ومناخ الأعمال المواتي من حيث الإكراهات الاجتماعية والقانونية والبيئية وغيرها)، فتلك سمات الرحل الجدد. ولقد سبق أن درسنا في دروس التاريخ أن من سمات الرحل أنهم دائمو الترحال للبحث عن الماء والكلأ، وحين ينضب أو يقل يبحثون عنه حيث وجد، فأرض الله واسعة.

في زمن ميتيران (François Mitterrand) الرئيس الفرنسي السابق، المشبع بالاشتراكية الوطنية ونظريات الخلاص الكينزية، وحين أراد، في إطار السوق الأوروبية، فرض كوطا (Quota) على واردات علامة السيارات اليابانية طويوطا (TOYOTA)، باعتبارها غير أوروبية، لم تحتج اليابان، البلد الأم البيولوجية للعلامة، ولكن احتجت بريطانيا الأم المتبنية، لكون طويوطا تصنع بأراضي ايرلندا التابعة للمملكة العظمى. حدث هذا في بداية العولمة. فماذا نقول اليوم وقد أصبح الكل مٌعَوْلَم إلى درجة يصعب فيها التمييز.

وبمناسبة الفيلم المسيء للرسول صلى الله عليه وسلم، وفي الوقت الذي كانت فيه حملة المقاطعة للمنتوجات الدنماركية على أشدها، وفي الوقت الذي اجتهد فيه بعض المسلمون لإيجاد الرقم الاستدلالي الذي تعرف به منتوجات هذا البلد في الأسواق العالمية (codes à barre) للتشهير بها على أمل توسيع نطاق المقاطعة، وخلق لوبي ضغط اقتصادي، عملت المقاولات الدانماركية على تفعيل ذكائها لاستغلال نصوص قوانين التجارة الدولية التي تمنح اسم البلد الأصلي (Pays d’origine) إلى البلد الذي أنتج أو صنع أو حول فيه المنتوج.

فما كان من هذه المقاولات إذن سوى أن تبعث ببضائعها إلى فرنسا أو هولندا أو تركيا لإعادة تعليبها وتلفيفها في شكل جديد (Conditionnement, emballage et étiquetage)، (وبذلك تُحَوَّل وينْطَبق عليها اسم البلد الأصلي حسب آخر بلد حُوِّلت به)، قبل أن تباع في أسواق مكة والرياض وطهران بأرقام استدلالية لبلدان التَّعْلِيب.

الشيء نفسه تقريبا تفعله المستوطنات الاسرائيلية مع التمور والعصائر والخمور والعطور التي تصنع في أراضي يحظر التعامل معها دوليا باعتبارها مستوطنات، وترسل إلى فرنسا أو تركيا للتعليب والتلفيف قبل أن تصل إلى أسواقنا في شكلها “الحلال”.

في زمن الحرب على العراق، ارتفعت الأصوات هنا وهناك للمطالبة بمقاطعة ماكدونالدز، باعتبارها علامة أمريكية. ماكدونالدز المغرب هو للإشارة امتياز (franchise) تقوم بمقتضاه المقاولات الحاصلة عليه باستغلال اسم العلامة والخبرة والمنتوج والديكور والاشهار مقابل عمولة تدفعها للمقاولة الأم حيثما وجدت. ولمواجهة هذه الحملة، قام القائمون على تدبير هذه العلامة ببلدنا بتثبيت لوحات اشهارية عملاقة في كل مفترقات الطرق وعلى العديد من الطرقات والطرق السيارة والمحطات والمطارات، مكتوب عليها “ماكدونالدز المغرب: أكثر من 3000 مغربي في خدمتكم”، وهي طريقة ذكية للقول إن العلامة قد جنست ويستفيد منها كذلك مغاربة يرتبطون بها وهم مهددون وعائلاتهم في قوت يومهم.

أما رونو الفرنسية في حلتها المغربية بملوسة-طنجة فقد شيدت برساميل مغربية في حدود 47.5%، من أموال “فينار-هولدينغ” التابعة لصندوق الايداع والتدبير (يمكن قراءة مقال كتبته في الموضوع في فبراير 2012 بعنوان “رونو طنجة-المتوسط، البعد الاستراتيجي للمصنع الفرنسي وللدولة المغربية”، ما زال متواجدا على الانترنيت)، وصندوق الإيداع والتدبير كما نعرف، في الأصل، يعمل على تأمين المدخرات الوطنية من خلال إدارة الودائع والقيام باستثمارات استراتيجية تتحكم في العديد من القطاعات الاقتصادية الوطنية. ورونو-المغرب هي كذلك أكثر من 5000 منصب عمل مباشر وأضعاف هذا الرقم غير مباشر أو مرتبط (مناولة خدمات وغير ذلك)، ناهيك عن ملايين الدولارات من العملة الصعبة التي تحسن بدرجة كبيرة ميزان تجارة مملكتنا السعيدة.

وحده العمل ثم العمل قادر أن يعيد لنا هيبتنا بين الأمم، بعيدا عن كل أشكال المتاجرة في شعور الناس والشعبوية التي تخفي الكثير من النفاق السياسي والاقتصادي والديني. يقول سبحانه وتعالى: “وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ۖ وَسَتُرَدُّونَ إلىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ” صدق الله العظيم.