نبتدئ من حيت انتهينا في المقال السابق والذي طرح مجموعة من الأسئلة تتمحور في  معظمها حول استثمار العنصر البشري في الإدارة المغربية  او ان صح التعبير “تدبير الموارد البشرية” هذا الذي يشكل عادة مربط الفرس في نجاح او فشل كل مؤسسة سواء كانت عمومية اوخاصة سواء كانت جمعية حكومية اوغير حكومية ؛ فقد يتفق الجميع على ان الذي يصنع الفرق بين مجموعة وأخرى هو جودة العناصر التي تكونها بغض النظرالى العدد فقد لا يهم في بعض الأحوال كما اثبتت تجارب سابقة  اذا لا يهمنا من يشتغل مثلا في مصنع معين بقدر ما يهمنا كيف يشتغل أي اننا باستثمارنا لهذا العدد من العمال نحصل على منتوج احسن من لو لم يستغل على احسن وجه

ان الشعارات الذي تحملها الحكومات المغربية  في مجال اصلاح الوظيفة العمومية  متعددة  فنجد : ضرورة تأهيل العنصر البشري ، الإدارة في خدمة المواطن؛ وعندما تقيم اداءها لترى ماذا حققته في هذا الباب تجيب دائما نفسها بالمبررات الفاشلة: النقص الحاد في عدد الموظفين في بعض القطاعات ،وضعف مستوى التأطير والمردودية ؛ هذا التناقض هو ما نسميه انعدام الإرادة في الاصلاح!

نتذكر ما أقدمت عليه الإدارة المغربية في سنوات خلت لما أفقدت بعضالمصالح مئات من خيرة الأطر التي درست ابان الاستعمار والتي تتميز بخبرتها وعلو كعبها في المجال الإداري، وهذا كله مقابل تعويضات مالية من خزينة الدولة ؛وعرضت عليهم تحفيزات ليقوموا بمغادرة الوظيفة العمومية نحو مقاولاتهم الخاصة وبعضهم نحو نفس الإدارة ولكن بتعاقد يضمن لهم  اجورا مقابل عملهم  الجديد القديم بثمن مضاعف

الا يحق للنقابات التي تحترم نفسها والتي تؤمن بمبدأ الحقوق والواجبات ان تتحرك في  تلك المناسبة وان تقول اللهم هذا منكر ، ما هذا الاحتيال مرة أخرى والتآمر على هذا البلد المسكين  لماذا هؤلاء يخرجون من الباب ويدخلون من النافذة؟ لماذا لا تقبل الإدارة مغادرة كفاءات  هي في امس الحاجة اليها؟

اذن فالركيزة الأساسية التي يقوم عليها أي اصلاح للإدارة العمومية هو حسن استغلال مواردها البشرية

اذا كانت هناك نية للإصلاح فعلا لماذا لم تقم الوزارة الوصية بأعدادخريطة  شاملة لكل موظفيها وكفاءاتها لمعرفة طبيعةالخصاص كما وكيفا ، حتى يتسنى لها القيام بتوظيفات من حاملي الشهادات المتواجدين امام ساحة البرلمان بشكل يجعل الرجل المناسب في المكان المناسب، بلاستمرتفياعتباطيتهاوعشواءيهاالمعروفةفيانتقاءمنلهالحظفيولوجغرفةالانتظاروالروتينالابدي

سؤال التدبير المحكم للموارد البشرية عبر قاعدة الرجل المناسب في المكان المناسب يحيلنا مباشرة على الاختلالات التي يمكن ان تنجم عن تولي بعض الأشخاص العمل في مرافق لا وجود لأثر العلم والتعلم فيها،  فبمراسهم الطويل فيها يفقدون كفاءاتهم العلمية شيئا فشيئا  ويصبحون اجهل الناس،حديثهم  اليومي لا يتجاوز فوز البارصا على الريال او الزواج والطلاق وعملية دارت

هؤلاء هم الطلاب في الجامعات والتلاميذ في الثانويات والمتكونين فيالمعاهد ومراكز التكوين الذين يحلمون بغد افضل وبعمل يزيد من قيمتهم الاجتماعية ويحسن أوضاعهمالمعيشية،  ولكن سرعان ما يتبددهذا الحلم ويجلسون وراء مكاتب ويتبادلون النكت والقصص وينصرفون في تمام الربعة مساءَ

في المقابل هناك مرافق حيوية تقوم باختيار  جيد لموظفيها على أساس كفاءات دقيقة ، ولكن هذه الفئة ضئيلة جدا ولا وجود لها في الشرائح الاجتماعية  المتوسطة؛  ونجد بين هذه وتلك إدارات تطلق برامج عملاقة من قبيل مخطط المغرب الأخضر وتشكو من ضعف الترسانة البشرية التي تنفذ هذا المخطط ، ليس لأنها لا تجد من يشتغل لديها ولكنها لا تشغل،  فالمراكز المالية التي تمنح لها الحكومة كل سنة محدودة جدا مقابل المطلوب إنجازه.

بعض القطاعات فضلت اللجوء الى التدبير المفوض بشكل تدريجي حتى تتمكن من تجاوز مشكل الموارد البشرية وكأن من يشتغل لذى المؤسسات الخاصة التي تفوض لها أناسأتوا من المريخ او من كوكب اخر ، هذه التجربة التي جنت منها بعض الجماعات المحلية التي التجأت اليها لحل مشكل الموارد البشرية خسارات كبيرة ، وكلفتها ميزانيات ضخمة ،فقد استنسخت تجارب أوروبية ولكنها لا تعلم بوضعيتي القاع العام والخاص في الغرب الذي يسير بشكل متقارب ومتكامل الشي الذي لا نجده في المغرب لذلك يفضل الشباب المغربي العمل في القطاع العام ولو كان اجره في القطاع الخاص يفوق ما يتقاضاه لذى الدولة بكثير .

المغرب اصبح يسير بسرعتين : انفتاح الاقتصاد المغربي حول الاستثمارات الأجنبية بخلق مناطق حرة للتصدير وترحيل الخدمات ومحاولة جلب السائح الأجنبي عبر تعزيز البنى التحتية السياحية ، وهيكلة قطاع الفلاحة والصيد البحري كل هذا لا يتوافق مع خمول وعجز الإدارة المغربية  في مجال الثقة والنجاعة والفعالية هذا الثلاثي الذي يتوقف على تأهب الموظف من ادنى سلم الى أقصاه لان بدونه لا يمكن ان يستجيب لمتطلبات الإقلاع المنشود ولا يمكن تنفيذ المخططات الافقية

نسال الموظفين عن حجم ووثيرة انخراطهم في التسيير وابداء رايهم في أمورقطاعتهم ، ونسال كذلك عن نسبة الاستفادة من التكوين الأساسي والتكوين المستمر ، فيكون الجواب المر دائما صادما ، اذا علمنا انه اثناء اعداد الميزانيات الفرعية للقطاعات الحكومية يطلب منها انجاز مذكرة تحمل المؤشرات المرقمة التي تدل على إنجازاتها في كل مجال ومن بينها التكوين المستمر ، فتقوم بإدراج بند من ميزانيتها يخص الموارد المالية لتنفيذ هذا البرنامج ، وفي الأخير نجد ان بعض القطاعات لا تقوم بصرفه ولا استغلاله

لذلك فإشكالية التكوين تدخل ضمن الاكراهات التي تحول دون تحول الإدارة  في بلدنا من قطاع جامد الى مجال  دي مردودية مقاسة

لا يسعني وانا لا زلت انشد الخير والإصلاح في وظيفتنا العمومية الا ان اقدم بعض الملاحظات التي يستحيل ان يأخذ بها أصحاب القرار والتي قد يتقاسمها معي الكثير ممن يعمل في القطاع العام وحتى من يشتغل مع غيره ويرى أموالا وازمنة تهدر ، وطاقات تصدأ؛ دون اللجوء الى المزايدات ولا الاعتبارات السياسية:

اولا يجب الانتباه الى ان التوقيت الإداري المعمول به الان يشجع على الخمول وعدم الاجتهاد فبدل ان يقوم الموظف بالقيلولة في بيته وهذه حاجة بيولوجية يقوم بها في مكتبه ومختبره و……

ثانيا الترقية والتنقيط والتقييم  يجب ان تراعي ظروف اشتغال الموظف فالذي يعمل في المناطق الوعرة تعطى له نقطا زائدة تمكنه من سير الترقي بشكل اسرع ممن يشتغل في المراكز الحضرية والمتمركزة أساسا في محور الرباط الدار البيضاء ، وكذلك ضمان استمرار الديمومة في جميع القطاعات الحكومية خلال أيام السبت والأحد والعطل لأنه من غير المنطقي ان يتوقف العمل بمؤسسات الدولة بشكل كلي في حين يستمر خلال العطل في  بعض المؤسسات الخاصة التي تحتاج الى خدمات هذه الإدارة

ثالثا التوظيف والترسيم يجب ان يتم من طرف لجنة إدارية مختصة تحتوي لزوما على ممثلي الموظفين وحبذا لو كانت اللجان الثنائية المتساوية الأعضاء

رابعا ضرورة العمل بعقد طويلة المدى قابلة للتجديد وضبط شروط الترقي في الدرجة والرتبة وفق نموذج موحد يسري على جميع القطاعات وإضفاء حركية مستمرة على موظفي الإدارات العمومية كل جسم على حدى حتى يتم استغلال فائض الموظفين اين ما وجد وتدارك النقص المسجل في جهات أخرى

خامسا احداث مديريات للبحث والتطوير في كل الوزارات وجعل الإدارة العمومية مجالا للابتكار والخلق والبحث العلمي بدل تجميد الطاقات الوطنية واللجوء الى مكاتب الدراسات الأجنبية

تعميم خدمات الاعمال الاجتماعية على كافة القطاعات وإرساء نضام للتحفيزات يقوم على أساس انجاز الأهداف الشهرية والنصف سنوية والسنوية.

سادسا استبدال مدارس التكوين المتخصصة للأطر بمدارس متعددة التخصص “مدارس البوليتكنيك”  والتي من خلالها تتمكن الإدارة تجاوز إشكالية محدودية انتشار الأطر في بعض المؤسسات العمومية والشبه العمومية .

ضرورة اصلاح نظام التقاعد عن طريق تغيير قاعدة  احتساب المعاش، وعدم المساس بالحق في التقاعد  وقتما لجا اليه الموظف باي سبب من الأسباب، وجعله يستفيد من  عائدات استثمار مدخراته بشكل آني او مؤجل.