محمد لعفو

مهلا أيها الموت، فقد حصدت كل الأرواح الطيبة، و غيبت في التراب وجوها لا نطيق فراقها، و بنيت بيننا و بين من نحب سدا منيعا، لا طاقة لنا بالعبور إلى ما ورائه… انتظر قليلا، فإننا نريد أن نموت بسلام، كما مات السابقون. لقد قيل يوما تعددت الأسباب و الموت واحد، أما اليوم فقد تعدد الموت و السبب واحد، لقد تعبنا منك أيها الوباء اللعين، فارحل عنا  غير مأسوف عنك، فلقد  تحولت حياتنا إلى كوابيس، و جراحات تليها جراحات لا تريد أن تندمل.

  لم نعد ، كما كنا، نكحل أعيننا برؤية من نحب في اللحظات الأخيرة، ليكون لنا ذلك عزاء، و لم نعد كما كنا نصلي و نبتهل، قبل أن نترك موتانا يواجهون مصيرهم في غيابات الأرض، و لم نعد نعود إلى سرورنا و غرورنا مهزومين و منكسرين ..”ممنوعون حتى من الانهزام و الانكسار أيها الوباء اللعين”.

 عذرا أستاذي الكريم، فقد رحلت عني الكلمات و لم أعد قادرا على كتابة ما أريد ، عذرا فقد تحولت الكلمات إلى صمت رهيب فكيف يمكنني أن أكتب الصمت فيفهم من حولي… تذكرت الآن بضع كلمات قلتها بعد  أن اشتد الصراع داخل القاعة متعددة التخصصات، كلمات ظلت تتطاير في أرجاء هذه البلدة الطيبة، “أما أنا فقد انتهيت –  أنا سليت-” قلتها تم رحلت و لم تعد. الان فقط أدركنا حقيقة تلك الكلمات و مغزاها، لكن بعد فوات الأوان، الآن فقط أخذت تلك الكلمات مكانها الحقيقي، و أدركنا ما كنت ترمي إليه أيها الرجل الكريم…و كنت لكبيرنا من الناصحين،  و كانت النصيحة الأخيرة أن طلبت منه أن يتجنب الأحكام الجاهزة، فمضى و لم يعقب، من حيت لا يدري أن الغالب في هذه الدنيا، و إن طالت الزمان مغلوبـ، فكان أيها الأخ الكريم أن شممت رائحة الغدر قبل أن تشم رائحة التراب، و إن كنا نمني النفس أن رائحة الجنة أقرب إلى روحك الطيبة من أي رائحة أخرى، و رحمة ربي وسعت كل شيء فكيف بمن كان يسعى إلى الخير و يبتغيه منهجا في الحياة.- و لا نزكي على الله أحد-

 كنا نختلف  أحيانا و نأتلف في الأحيان الأخرى، و تلك سنة أهل السياسة و كذلك يفعلون، لم يكن ذلك ليفسد علاقاتنا الإنسانية… و تلك المقهى المقابلة لمقر حزب العدالة و التنمية في شارع محمد السادس شاهدة علينا، حيت كنا نبغي أن نجمع الشمل، بعد أن نزغ الشيطان بيننا و بين إخوتنا، و لقد ضربنا موعدا على أن نلتقي بعد عودتك من الرباط، فلم تعد أستاذي الكريم، فأخلفت الموعد و ليست تلك عادتك، لكن الأمر جلل هذه المرة، فمن ذا الذي يستطيع أن يفي بالعهد، و الموت مصيبه.

ستبقى شامخا أيها الرجل ، و سنفتقد منهجك في الإقناع… من سيهدئ الأجواء بعدك؟ من سيصدع فينا دون أن  يجد حرجا في استعمال الكلمة الأماريغية ” س التأويل”  أينما حل و ارتحل؟  و هذه المرة أخلفت الموعد أيضا و رحلت عنا بسرعة غير آبه بجنوحك نحو التأني، و لا بتلك الكلمة التي كنت ترددها على مسامعنا.

في الختام نسأل الله أن يتقبل منك صالح أعمالك و صدق سريرتك، و في عقيدنا أن من مات موتتك سيتقبله الله صديقا و شهيدا، فلتمض روحك بسلام،  لترقد حيت ترقد أرواح الطيبين،  و للعائلة الصغيرة و الكبيرة نقول رحم الله فقيدكم برحمته ؛ التي وسعت كل شيء، و رزقكم صبر الأنبياء و الصالحين…