بعد دحر الاستعمار الغاشم توجه المغرب نحو هيكلة وتحديث الادارة العمومية ،وذلك عبر مجموعة من الاجراءات: منها مغربة الاطر، وتشريع نظام اساسي للوظيفة العمومية في 24فبراير 1958  ،والذي اعتبر اللبنة الاولى في سبيل اضفاء صبغة مؤسساتية  حديثة ،من شانها ان  تبعد القطاع العام عن ممارسات طبعته ابان الاستعمار، كالشطط في السلطة ،والمركزية المفرطة ، والتحكم ، والاستهتار بمصالح المرتفقين بصفة عامة ؛ الا ان هذا الاجراء اي تحديث وهيكلة الادارة العمومية ضل في شموليته يرتكز على البيروقراطية، واتسمت بذلك علاقة المرتفق بالادارة   بالتعقيد وعدم الشفافية، وهذا ما جاء في تقرير البنك الدولي سنة 1995 ، والذي دعا الى الاسراع باصلاح نظام الادارة العمومية بشكل يراعي خدمة المواطن واحترامه من جهة ، وعدم المساس بالقانون من جهة اخرى.

ورغم  توالي محاولات الاصلاح،  الا انها حافضت على الطابع المخزني للادارة المغربية، ومن هنا نشكك في جدية تناول هذا الورش من طرف القائمين عليه من لجان للاصلاح ،الى البرلمان، ثم الى  الفاعلين السياسين والهيئات المنتخبة.

في نظري ان ورش اصلاح الادارة لا ينبني فقط على الشعارات وتغيير اسماء الوزارات ، واحداث وزارة مكلفة بالحكامة ، ما لم تكن الحكامة مبدا من مبادئ التغيير المنشوذ ، والذي ينبغي ان يلمس على ارض الواقع المعاش عند الفئة المستفيدة من المرفق العمومي وخدماته بشكل يومي ،مما ينعكس على اداء المواطن بشكل فعلي وبالتالي ادماجه في التنمية.

لا يسرني ان اجد مواطنا يهان بشكل ممنهج امام ادارة معينة، ويحرم بمنطق البيروقراطية  من خدمة هي بالاساس موجهة اليه ، ونحن في زمن المعلوميات والادارة الالكترونية؛ وتعطى في المقابل  صلاحيات واسعة لبعض الاشجاص، هم يحرسون استمرار النمودج الفرنسي العتيق اشد حراسة، لان في ذلك جني لمداخيل خيالية على حساب دافعي الضرائب، وعلى حساب تردي وانحطاط الخدمات العمومية .

كما انني باعتباري موظفا عموميا ، ما يحز في نفسي هو انني اقف لمرات مكتوف الايدي امام مواطن بسيط، لا استطيع ان اسدي له خدمة ولو كانت في غاية البساطة،  فاجد نفسي مقيدا بهذه الاجراءات  الروتينية وتراتبية الادارة.

هذه الادارة التي يتولى تسييرها في غالب الاحيان ابناء البعثات الفرنسية في اعلى الهرم، وقد تتلمدوا على يد اساتذتهم ليتحولوا من خدمة المواطن المغربي الى قهره ، وجبره على امدادهم بايتاوات يعتبرونها الثمن الحقيقي لتعبهم، وسهرهم على خدمة الصالح العام.

فاي منطق هذا في ضل العهد الجديد، الذي حل فيه دستور 2011  ليخلص المغاربة من هذا الشطط، ويربط المسؤولية بالمحاسبة؟ ويظمن تكافؤ الفرص بين الجميع؟ واي استقرار اجتماعي يتاتى بحرمان المواطن من ابسط حقوقه والاجهاز على مكتسباته المرتكزة على مبدا المجانية ؟ هذه الاسئلة تجرنا للحديث عن مبدا استقلال السلط ؛ فاذا كانت المؤسسة البرلمانية تشرع القوانين وتراقب عمل الحكومة فاين يتجلى هذا الدور ؟ لمذا لا نلمس ارادة حقيقية منبثقة من العمل البرلماني تعير اهتماما اكبر لاخراج قوانين ترسخ  قيم الشفافية  في الحياة العامة ؟ ولا عيب في ان تلجا الى المقاربة الزجرية في تحديد المسؤوليات، وتقييم عمل الادارة بشكل دوري ، دون الانتظار حتى اخر كل سنة للحصول على تقارير من مؤسسات الحكامة ، تتزامن  وبعض رؤساء الادارة قد احيلوا على التقاعد، او اعفوا من مسؤولياتهم، او غيروا الوجهة تجاه مؤسسات اخرى عمومية او شبه عمومية. فالتعاطي مع هذا الموضوع بهذا الشكل هو في حد ذاته تماطل وتحايل على القوانين وعلى الدستور في حد ذاته.

في جملة من القضايا نرى تقارير للمجلس الاعلى للحسابات توضع فقط على الرفوف، ولا يكتب لها نصيب من التحقق، وحتى اذا كان التحقيق واحيل على المحكمة المختصة فلا نرى اي تحريك لهذه الملفات ، ولنكن موضوعيين شيئا ما فهذه المجالس تعتبر محاكم مالية ، ولها الصفة القانونية بان تتابع  كل متورط دون اللجوء الى محاكم اخرى ؛ وذا كان القضاء المغربي يؤمن بشعار” القضاء في خدمة المواطن” ينبغي ان نرى خدمة المواطن علنا في القضايا التي تهم المال العام  واختلالات تدبير المرفق العمومي،   كنظيرتها من القضايا العادية، لان مبدا الشفافية يحيلنا على الحق في الوصول الى المعلومة اولا وقبل كل شيء.

ومن هنا فمحاسبة المسؤلين في بلادنا تبقى شكلية ، ما لم تكن هناك ارادة لذى المشرع لتنزيل المسؤول منزلة المواطن العادي ، وعدم تمتيعه بامتيازات وتسهيلات استثنائية اثناء محاكمته؛ ولكن اثناء محاسبته يجب ان نستحضر كيف تم تعيينه في هذا المنصب اولا  ؟ يجب ان ينكب الاصلاح على قانون ومسطرة التعيينات في هذه المناصب، مادام الخلل نابع في حد ذاته من هذا الباب.

فبعد مجيئ الحكومة الحالية تم اخراج قانون جديد للتعين في المناصب العليا، وتم تعيين عدد كبير من كبار المسؤواين على راس الادارة العمومية ،وبالاخص في بعض مؤسسلت الدولة ذات الاستقلال المالي والاداري، في حين ضل البعض يشغل مناصب حساسة ، وكان من قبل قد ورد في تقارير للمجلس الاعلى للحسابات على اساس انه لم يحسن الدبير، وانه تسبب في وقوع خلل ما خلال فترة سابقة من تحمله للمسؤولية ؛ فكيف يمكن ان نبرر هذا الاستهتارعن طريق استمراره في تقلد تلك المناصب ؛والغريب في الامر ان البعض منهم  تمت ترقيته الى مراتب اكثر من ذي قبل كجزاء على سوء تدبيره للمرفق العام ،وخيانته للامانة الملقاة على عاتقه.

ولا زلنا نفتح ابواب التساءل العريض: من يقترح الاشخاص لمناصب المسؤولية؟ ومن يقف وراء هذا الاختيار؟ وعلى اي اساس يقوم؟

حميد أرديف