قدمت المعارضة مذكرة أمام الملك محمد السادس طلبا للتحكيم بينها وبين رئيس الحكومة، ويبدو أن الأطراف الحزبية بحكومتها ومعارضتها باتت تعاني من سوء تقدير دستوري نظرا لعدم القدرة على تثبيت مقتضيات دستور 2011 والتمييز بين حالات اللجوء إلى طلب التحكيم الدستوري من عدمه، هذا اللجوء غير المضبوط الذي قد ينتج خطرا على المملكة في حالة الاستمرار في الدفع بحقل الملكية لتقديم حلول حول صراعات ذات طبيعة انتخابية.

مذكرة استعطاف وتظلم لا تستوفي شروط انعقاد التحكيم

يبدو واضحا أن المعارضة باتت تخلط بين “التظلم” و”الاستعطاف” و”طلب التحكيم”، فالقراءة التحليلية لمضمون المذكرة التي تقدمت بها المعارضة إلى الملك محمد السادس طلبا لتحكيم بينها وبين رئيس الحكومة تبين أنها عبارة عن مزيج من التظلم والاستعطاف، والواضح، أن المعركة السياسية التي تخوضها المعارضة ضد رئيس الحكومة جعلتها تفقد “عقلها الدستوري” وباتت تعاني من سوء تقدير دستوري كبير، فطلب التحكيم الوارد في المذكرة مشوب بعيوب جوهرية كثيرة تتمثل في ما يلي:

العيب الجوهري الأول، أن المعارضة تتدخل في مجال علاقة قائمة بين مؤسستين دستوريين هما الملكية ورئاسة الحكومة، وذلك لما تشير في مذكرتها إلى تصريحات بنكيران حول دور الملك في ضمان استمرار الحكومة الحالية، فالمعارضة هنا أعطت لنفسها “حقا دستوريا زائفا” بتدخلها في علاقة مؤسساتية منظمة بمقتضى الدستور يملك رئيس الدولة وحده الحق الدستوري والسياسي في تقييمها وتنبيه رئيس الحكومة إذا ما تجاوز مقتضياتها الدستورية.

العيب الجوهري الثاني، أن مذكرة المعارضة تخلط بين مجالين مختلفين من حيث الدرجة الدستورية، قضايا الدولة والعلاقة بين المؤسسات الدستورية للدولة (رئيس الدولة ورئيس الحكومة) من جهة، ومجال الانتخابات والصراع بين المعارضة والحزب الحاكم من جهة أخرى، فالأمر يتعلق بمجالين متباعدين يختلطان في ذهن المعارضة رغم أن الهندسة الدستورية فصلت بين مجالات السياسة العامة للدولة والسياسة العمومية للحكومة ومقتضيات الانتخابات والتمثيل السياسي والعلاقة مع المواطنين.

العيب الجوهري الثالث، يتمثل في اعتقاد أحزاب المعارضة أنها مؤسسات دستورية، فالمعارضة قدمت مذكرة مضمنة بطلب لتحكيم دستوري، ويبدو أنها لازالت لم تفهم لحد الآن أن الحزب السياسي هو تنظيم سياسي وليس مؤسسة دستورية وأن التحكيم الدستوري يكون بين المؤسسات السياسية وليس التنظيمات السياسية، لذلك فشروط التحكيم غير متوفرة لغياب أزمة أو خلل في العلاقة بين المؤسسات الدستورية ،فالملك لا يمكنه التحكيم بين الأحزاب في صراعاتها السياسية أو الشخصية.

العيب الجوهري الرابع، خلط المعارضة بين الصراع حول موضوع تهريب الحملة الانتخابية والصراع بين المؤسسات الدستورية، فالمذكرة تشير بوعي أو بدون وعي في عقل المعارضة السياسي إلى صراع يتعلق بحوادث تهريب حملة انتخابية إلى خارج إطارها القانوني فالإشارات التي قد يكون رئيس الحكومة قد أطلقها في تجمعات الدشيرة الجهادية أو الراشيدية هي ممارسة لحملة انتخابية قبل أوانها،لأن ذاكرة المواطنين في هذه المرحلة تنظر إلى بنكيران كرئيس حكومة في حين أن السيد بنكيران يشرح ويدافع عن حصيلة عمل حكومته وهو ما يسقطنا في حملة انتخابية سابقة لأوانها من شانها التأثير في توجهات الناخب خلال الانتخابات المقبلة.

المغرب يعيش حملة انتخابية سابقة لأوانها يجب إنهاؤها من طرف وزير الداخلية ووزير العدل

التوصيف الصحيح الذي يجب أن تشتغل عليه المعارضة وتجد له أساس قانوني هو أن رئيس الحكومة وبعض الوزراء وقيادات المعارضة يقودون حملة انتخابية سابقة لأوانها، فالحملة الانتخابية يتم تهريبها بستة أو سبعة شهور قبل انطلاق الأجل القانوني للحملة، والصراع حول هذا الموضوع يحتاج إلى التوجه بمذكرة تنبيه دستوري وقانوني إلى السادة وزير الداخلية ووزير العدل بضرورة وضع الآليات الملائمة لإيقاف التجمعات واللقاءات العمومية للقادة السياسيين الحزبيين مع المواطنين خلال الخمسة أشهر القادمة السابقة على الانتخابات الجماعية، فمنذ سنة 2007 نبهت تقارير هيئات الملاحظة إلى أن الحملة الانتخابية باتت تهرب من طرف المرشحين المفترضين وقادتهم الحزبيين إلى زمنية تصل إلى خمسة أو ستة شهور على يوم الاقتراع وأنها هذه حاسمة في التأثير على تصويت الناخبين واختياراتهم.

أحزاب الحكومة والمعارضة مطالبة بالابتعاد عن مجال الملك في صراعاتها السياسية

أخطر ما في المذكرة هو محاولة إدخال الملك في صراع حزبي انتخابي، فحزب الاستقلال طلب من الملك التحكيم بين مكونات الأغلبية في حكومة بنكيران الأولى وتحاول المعارضة إدخال الملك في صراع حزبي انتخابي، الشيء الذي يعني أن الأحزاب السياسية لم تتطور في سقف تفكيرها السياسي، والغريب هو أن تطالب الأحزاب السياسية في المذكرات الدستورية المقدمة أمام لجنة مراجعة دستور 2011 بتوسيع سلطات الأحزاب السياسيةً وجعلها محور العمل السياسي الانتخابي والبرلماني والحكومي وتعود بعد أن تسلمت الحكومة وأدوات دستورية جديدة تمكنها في المرافعة والضغط كمعارضة إلى طلب تحكيم دستوري من الملك في قضايا مرتبطة بصراع حزبي وانتخابي محض.

فالأحزاب السياسية بأغلبيتها الحاكمة ومعارضتها البرلمانية لم تستطع أن تترك الحقل الدستوري للملك فوق الصراعات، وهو أمر دستوري خطير إذا ظلت أحزاب الحكومة والمعارضة عاجزة عن ممارسة قواعد اللعبة الدستورية والسياسية بعيدا عن حقل الملكية، فهذا السلوك لن يسمح بتثبيت مقتضيات دستور 2011، فالمطلوب من بنكيران وشباط ولشكر والباكوري الجواب على السؤال التالي : كيف تطلبون في مذكراتكم الدستورية بان يكون الملك فوق الصراعات السياسية وتعمدون بعد وضع الدستور الى طلب تدخل الملك في الصراع السياسي بمسميات مختلفة منها طلب تحكيم بدون استيفاء شروط التحكيم ؟ فانتبهوا، حكومة ومعارضة، إن إقحامكم للملك في صراعاتكم السياسية والانتخابية والشخصية أحيانا فيه خطر قادم على المملكة.