ملحوظة: يروم هذا المقال لفت الإنتباه إلى المخاطر المحدقة ببيئتنا من خلال إستهداف غاباتنا.

لكلمة “الغابة ” لفظا و معنى إستعمالات متعددة، يصب معظمها في الغموض و الكثافة و الممانعة و السرية و الإختفاء. قليلون هم من ثمثل لهم الغابة جوهر الوجود و أساس الحياة. فعندما يتعلق الأمر بالغابة فإنه يجوز الإستشهاد بما أورده الله في محكم التنزيل في شأن الماء ” وجعلنا من الماء كل شيء حي” مستحضرين أن المذكور يحيل على الذي لا حياة له بدونه . إذ لم تدخر الأبحاث العلمية جهدا في توضيح العلاقة الجدلية و الإشتراطية بين الماء و الشجر، حيث أنه لا حياة لشجرة بدون ماء، ولا وجود للماء في غياب غطاء غابوي كثيف يحافظ على رطوبة الجو و التربة، لدرجة يجوز فيها القول أن الأصل في الوجود البيولوجي بعد الماء هو الغابة. فشموخ البلدان يقاس كذلك بشموخ أشجار غاباتها و علو  همم مسيري شؤونها.

فهل الإنسان أهم من الأشجار، رغم أن حياة الأول ووجوده رهين و مشروط بالأشجار التي تشكل في كثافتها و تكاثفها  “غابة”؟ وإذا كانت لحظة تأمل بسيطة ستأدي بنا إلى القول عكس هذا المنطق السائد الذي “يأله” فيه البشر على الشجر ، ويوضع فيه هذا الأخير تحت رحمة فأس و منشار و نزوات الأول، فإن حري بمندوبياتنا السامية – إن كانت فعلا  تراهن على الإستمرارية و البقاء –أن تنشأ استحقاقا عاما تحت مسمى ” الإحصاء الوطني  العام  للأشجار و التشجير”، فتسطر استراتيجية لذلك،وتعين مشرفين و مراقبين و باحثين وتبعث بهم إلى ما يعتقد أنها “غابات وطنية” لعد الشجر ، والوقوف على المقطوع والمحروق و المستولى عليه منها…

بدون أدنى شك، ستكون النتائج صادمة بعد انتهاء فترة الإحصاء. حقا ستتصدر الصحف الوطنية و التقارير التلفزية عناوين من قبيل “من نهب الثروة الغابوية المغربية؟”، ” من هم المتواطئون على الرصيد الغابوي للمملكة الشريفة؟” ، ” الغابة المغربية في طريقها إلى الإندثار” ، ” الشجر المغربي يتحول إلى حشيش و مخدرات” ، ” الملك الغابوي المغربي ملك من لا أملاك له”، ” المغرب في طريقه إلى أن يصبح مجرد صحراء بعد تدهور غطائه الغابوي ” ، ” الغابات المغربية بين انشغال السياسيين بغيرها و تفرغ حاميها لحراميها”… إلى غير ذلك من الحقائق و الإستنتاجات المرعبة.

فإذا متى ستحلق الحوامات فوق غابات المملكة بكامراتها لترصد عملية الإبادة الجماعية للأشجار ، وفق سيناريو متسلسل و متعدد الأ طراف يغتني فيه و من ورائه البعض ويزداد جوعا البعض الآخر ، و يخسر الوطن فيه مناخه و توازنه الإيكولوجي؟ متى سنعتبر أن الغابة هي أهم منا نحن البشر جميعا، لأسباب تحتاج لحظة تأمل منا فقط: نحن البشر أنانيي التفكير ، كالحي الوجوه ولا نزهر، نحرق ونقتل و نسرق؛ في حين  خالتي  الشجرة تستنشق سمومنا و تلطف أجواءنا و ترطب قلوبنا،وتأوي طيور بيئتنا … وترسم الجمال من حولنا و في أنفسنا. نمضي نحن بسرعة في حين تضل هي باسقة مذكرة الحاضرين بقصص الغابرين، وتكون مفخرة حضارية للقيمين عليها ومذرة للمال ، محركة للإقتصاد. كمثال على هذا الأمر أستحضر ما رأيته بأم عيني في الحديقة المتواجدة بالجهة الغربية لمدينة قاديس الإسبانية، حيث شرح لي أحد البستانيين بها في صيف 2006، متكلما عن شجرة بعينها، أن عمرها يفوق خمسة قرون، وأن بالمدينة أشجار تعود للعهد الأندلسي للمدينة. أما في الولايات المتحدة فالحديث عن المجال الغابوي أمر مبهر جدا لأنه جمع بين الفن و السياحة و البحث العلمي و الإقتصاد و القيم الوطنية. أستأذنكم لكي أورد هنا المثال الذي وقفت عليه بغابة  Muir Woods بضواحي مدينة سان فرانسيسكو (19 كيلومتر شمالا) في يوليوز 2013. “موروودس” هي غابة شاسعة جدا  (224 هكتار ) كانت في ملكية عضو بالكونجرس الأمريكي يدعى وليام كانت   William Kent  ، والذي قرر أن يوقفها ( من كلمة الوقف الإسلامي) في سنة 1907 على الحكومة الفيديرالية لدواعي شخصية، وفق شروط أهمها أن تبقى كما هي ولا يتم تفويتها لأية جهة أخرى..؛ الآن هي منتجع سياحي يؤمه الزوار من مختلف بقاع العالم، به أشجار ذات طول يلامس السماء و جذوع

أسطورية الضخامة، بممرات و جسور خشبية ، وبجوار كل شجرة لوحة،منقوشة أو مكتوبة، تروي تاريخها و أهم المحطات في حياتها، حتى أنهم يعمدون إلى تأريخ لحظة سقوط أي غصن أو شجرة، باليوم و الساعة و الدقيقة، و من كان متواجدا حينها ، و الأصوات المحدثة أثناء السقوط ! غني عن الذكر أن تلك المحمية  تشغل يد عاملة ،بطرق مباشرة و غير مباشرة، أهمها المشتغلين بالمرافق المتواجدة بعين المكان من متاجر تبيع منتجات و منحوتات خشبية، و مطاعم و مرشدين سياحيين و حراس أمن، بالإضافة للمزودين لتلك المرافق بالسلع و الحاجيات..

وبالعودة إلى إفريقيتنا السمراء، نتوقع ، إن استمر الوضع على ما هو عليه و أطال الله في عمر الصمت السائد، أن نستيقظ ذات صباح و لم يبق في محيطنا شجرة يختبأ وراءها صالح أو طالح لص أو مجرم… حتى طائر اليمام سيضيق عليه الحال بعدما يبحث عن غصن يبني فوقه عشه، فلا يجد غير غير الأشواك و الأرض القاحلة، فيرحل محلقا في السماء… حينئذ فليستظل الجميع تحت أغصان الأعشاب اليابسة.