قد يبدو مستغربا بعض الشيء في عالم اليوم، عالم التقنيات المتقدمة والتكنولوجيات الحديثة و السماوات المفتوحة، أن تعطى للتراث بمختلف تنويعاته تلك المكانة المرموقة والتثمين والاهتمام الكبير  في العالم، وهو ما قد يكلف ميزانيات ضخمة وبشكل خاص في الدول والمجتمعات الغربية المتقدمة، التي رغم بلوغها شأوا عظيما في مدارج التقدم العلمي والتكنولوجي، وهي التي شيدت صروحا هندسية ضخمة و بالغة التعقيد، فإنها لازلت  تحيط بالعناية اللازمة والاهتمام المتزايد صروحها القديمة التي قد تعود إلى آلاف السنين، وهذا الاهتمام هنا لا ينحصر فقط في ترميم و إنقاذ التراث المبني من أسوار وقلاع وقصور ولكن هناك اهتمام حقيقي بكل روافد التراث التي عرفت عندهم تقدما كبيرا، وذلك بإحداث المزيد من وحدات البحث العلمي بخصوص التراث، منها ما هو تاريخي محض يهدف إلى إبراز أهمية وأصالة كل أنواع التراث المادي خصوصا، لتظهر إلى جانب ذلك علوم أخرى في خدمة التراث تأصيلا و تثمينا و ترويجا ، كعلم المتاحف الذي قطع أشواطا كبيرة في الغرب، ليتحول المتحف  إلى مؤسسة ثقافة علمية وفنية قائمة الذات.

أما عندنا فلا وجه للمقارنة إذ لا يزال مجرد التعامل مع التراث يتم حسب مقاربات تبسيطية فأحرى أن يكون لنا كعلم المتاحف مثلا، الذي لازال يجهل أهميته  حتى الكثير من الأكاديميين والباحثين.

و المنطق هنا يقتضي التدرج إذن في وسائل التعامل مع التراث بمختلف أشكاله لنصل ربما إلى ما وصل إليه الغرب من تطوير لعلوم موازية مهمة كعلم المتاحف.

هذا التدرج يقتضي بدوره البدء بالمراحل الأولى في التعريف بالتراث و إدراك مدى أهميته القصوى في حياة المجتمعات و الشعوب، بل ودروه المتنامي في اقتصادات الدول.

ونحن بصدد جهل يكاد يكون مطبقا بتلك الأهمية، بل وبأهمية التاريخ عموما، إذ الحكم العام لدا كافة شرائح المجتمع وحتى جزء مهم من المثقفين والمتعلمين أن التاريخ ليس أكثر من مجرد قصص وأساطير الأولين، تقرأ فقط للاستئناس وربما للتسلية، أما التراث فيعتبر هنا ذلك الجانب القديم العتيق والمتجاوز ومن مخلفات الماضي، في أحسن الأحوال  تعرض في المتاحف و يتم التفرج عليها- مع قلة ثقافة زيارة المتاحف أصلا-.

هكذا إذن، فإن أولى الخطوات الصحيحة والتصحيحية  في سبيل تثمين التراث والحفاظ عليه تتم بتصحيح هذه النظرة الدونية والتبخيسية في حق “أبو العلوم” علم التاريخ والتراث، وإشاعة ثقافة التراث والتربية على الاهتمام بالتراث وبالتالي توقيره و احترامه والحفاظ عليه كجزء من الكينونة والهوية المشتركة للشعب والمجتمع.

جدير بالقول أنه بدون التربية على  حب و احترام التراث وبالتالي صناعة ثقافة الاهتمام بالتراث منذ نعومة الأظفار، وإبراز دوره الهام في الحفاظ على الجذور والأصول حية تنبض، و كذا إبراز مساهمته النوعية في تعزيز الاقتصاد والتنمية، إضافة إلى دوره في صناعة أجيال أصيلة تمتح من معين تراثها الغني بمختلف تنويعاته وهو ما سيدفعها للتنمية المستقبلية على أرضية ثابتة وصلبة.

تلك الثقافة إذن، هي التي ستجعل المشاريع المنصبة في مجال التنمية بالتراث عن طريق ترميم التراث المبني مثلا، ستجعلها ذات جدوى، إذ في ظل انعدام هذه الثقافة وهذا التقدير الواجب للتراث ستبقى كل جهود الاعتناء بالتراث عبر الترميم الذي يكلف الأموال الطائلة نظرا لما تتطلبه عمليات الترميم وفق المعايير العلمية المتعارف عليها من إمكانيات وتقنيات مكلفة. ستجعلها بدون طائل، علما أن تكلفة ترميم بناية، وذلك فقط لتمتين أساساتها وجدرانها وسقوفها تصل حسب خبراء في الميدان إلى 250.000درهما، وبعد كل ذلك نجد من يأتي و يتخذ جانب سور تاريخي عظيم،و الذي يختزل ذاكرة مئات أو آلاف السنين وصرفت لترميمه الملايين، تجده عرضة لمن يحوله إلى مرحاض عمومي و مزبلة عامة، فتنبعث منه الروائح المنتنة عوض عبق التاريخ الزكي، و يشكل منظرا قبيحا مشوها عوض أن يعكس صورة حضارية لبلد الإثني عشر قرنا، تلك إذن بعض معضلات التراث في مجتمعنا.

إنه غياب التقدير اللازم و الاحترام الواجب لرمزية الآثار، وقد حدثني أحد المرشدين السياحيين الغيورين أنه و في جولته بالسياح في أحد أبراج فاس، ذات المكانة التراثية الهامة فإنه يكتفي بإطلاع  الفوج السياحي على البرج من الخارج ويعلل عدم الولوج إلى الداخل، باحتمال سقوط بعض مواد بناء البرج ما يشكل خطرا على سلامة السياح، غير أن الأمر  لا يعدو كونه خجلا  من قبل المرشد المدرك لخطورة الأمر، من الدخول إلى داخل البرج الذي يعتبر بدوره مرحاضا للمتسكعين والسكارى، و قد يقول قائل هنا، أن السبب هو غياب المراحيض العمومية في أرجاء ومحيط المدينة القديمة بفاس، وهو محق، ولكن مهما بلغ هذا الأمر من إلحاح و أهمية فإن غياب ثقافة الاحترام والتقدير للتراث من العقول يساهم بشكل كبير في تفاحش هذه التصرفات اللاحضارية.

وفي هذا الصدد فإنني ضمن ثلة من الطلبة الباحثين الغيورين و المتخصصين في التراث، نطلق مشرع التربية على احترام وإشاعة ثقافة التراث، دون أن نعفي الدولة والمصالح المختصة من مسئوليتها التاريخية في المساعدة على إنجاح هذا المشروع بتوفير ما يلزم من بنيات تحتية في المستوى المطلوب و كذا المرافق الصحية والتجهيزات الأساسية  للحد من ظاهرة امتهان التراث بهذه الطريقة اللاحضارية.