تكتسي المواطنة كمفهوم في طور البناء، مجموعة أبعاد أساسية: تاريخية، وفلسفية، و قانونية، و إجتماعية، و إخلاقية. فالبعد التاريخي يحيل على نشأة المفهوم و تطوره و إتساع دلالته في علاقته بالديمقراطية، و البعد الفلسفي يختزله التساؤل حول الأسس، بما في ذلك ماهية الإنسان و الحق و الحرية… و البعد القانوني يتمثل في الحقوق و الواجبات، و البعد الإجتماعي يتبلور في الأدوار التي يقوم بها الأفراد و الجماعات في المجال العام، و البعد الأخلاقي يتجلى في صفات و سلوكات الفرد و مواقفه و إتجاهاته الفكرية. و منه فالمواطنة النشيطة و المسؤولة و الهادفة تتشكل بالتعلم و الممارسة، و تمارس بالضرورة في مجتمع ديمقراطي ـ حداثي يبلور الحقوق و الواجبات في كل المجالات، شريطة المساواة بين كافة المواطنين. و على هذا الأساس فالمواطن هو ذلك الشخص الحر الذي يقاوم التسلط، ولكنه في نفس الوقت يمتثل للنظام العام، و هو ما يفيد التمتع بالحقوق سواء كانت حقوقا ذات طبيعة سياسية و مدنية أو كانت حقوقا ذات طبيعة إقتصادية و إجتماعية و ثقافية، و أداء الواجبات التي يفرضها القانون على كل مواطن (ة) بكل نزاهة و جدية و مسؤولية.

     إن التربية على المواطنة ليست ” تربية معرفية “ فحسب، بل هي ” تربية على القيم “ بالدرجة الأولى، حيث أن الإهتمام بالجانب المعرفي لا يعد في حد ذاته هدفا من هذه التربية، بل فهي تتوجه بالأساس إلى قناعات الفرد “المتعلم” و سلوكياته، مع ممارسة هذه الحقوق داخل الوسط الذي يعيش فيه ” الأسرة، المدرسة، المجتمع،…” أي أنها تهتم بجانب القيم و المواقف، مع القدرة على إتخاذ مواقف إيجابية تجاه حقوقه و واجباته، فتنتج عنها ممارسات حقوقية في مختلف مجالات الحياة .

    إذا كان الإنسان يولد مواطنا بالإنتماء المجالي، فإنه لا يصبح فاعلا، نشيطا و مسؤولا و واعيا بحقوقه و واجباته إلا بفضل التربية و التعليم و التكوين المستمر و الممارسة النشيطة و الفعالة، و من ثمة أصبحت التربية على المواطنة تستجيب لحاجيات المجتمع بإعتبارها أداة من أدوات البناء الديمقراطي للبلدان. فضلا عن كونها تشكل سياقا فكريا و وجدانيا يهدف تنمية قدرات الفرد لتتداخل و تتفاعل فيما بينها لتؤسس للمواطنة هادفة و نشيطة.

يمكننا أن ننفذ إلى هذا الموضوع عبر التساؤلات التالية:

  •        فالمقصود بالتربية على المواطنة؟
  •        و ماهي وظيفتها المجتمعية و الفكرية؟
  •        و ما هي غاياتها الكبرى؟

      التربية على المواطنة هي بالأساس تربية على المبادرة و المسؤولية و الإستقلالية، و نكران الذات، تستهدف توعية المتعلم (ة) بالحقوق و المسؤوليات الفردية و الجماعية و التدرب بعمق على ممارستها في المدرسة و محيطها، أي المجتمع.

      تستمد التربية على المواطنة وظيفتها المجتمعية من مساهمتها في تكوين المتعلم (ة) / الإنسان / المواطن الصالح، الواعي، و الممارس لحقوقه و واجباته تجاه الجماعة التي ينتمي إليها، مما يعزز له الشعور بالإنتماء و المسؤولية.

      إن منهاج التربية على المواطنة في المرحلة الإعدادية يتمحور حول مفهوم المواطنة و القيم التي تنادي بها، بإعتبارها معان و مفاهيم تعكس سلوكيات و أفعال الفرد الواعي بحقوقه و واجباته كالحرية، العدل، التسامح، التعايش، الكرامة، السلم، …. وذلك إستنادا على مكانة هذه القيم في منظومة حقوق الإنسان الكونية و الشمولية و في المنظومة التربوية ببلادنا بشكل عام، حيث تعتمد عملية إكتساب هذه القيم و التشبث بها في المنهاج الحالي على ضرورة تعلم قوامها و الممارسة النشيطة داخل الوسط المدرسي، و ذلك من خلال المبادرات و المشاريع و الأنشطة التي يقوم التلاميذ بتخطيطها و تنفيذها و تقويمها عن طريق تأسيس و تفعيل أندية حقوقية نشيطة داخل المؤسسة التعليمية، حيث يتعين أن تراعي دورة التعلم هذه، البعد العلمي ـ العملي و ليس النظري، القائم على التليقن و السرد ” الكم المعرفي”، كما يقوم (المنهاج الحالي) على إعتبار المتعلم (ة) هو قبل كل شيء إنسان له حقوق و عليه مسؤوليات و واجبات، مما يقتضي إحترامه و صيانة كرامته على الدوام، إنسجاما مع ما يتعلمه داخل المدرسة و الظروف المحيطة بذلك التعلم في إطار إنفتاح المؤسسة على محيطها الخارجي، بإعتبار البيئة المحلية تشكل مصدرا و فضاء داعما لقيم المواطنة في علاقاتها التشاركية بين مختلف الفاعلين و الشركاء الأساسيين.

     ترتبط التربية على المواطنة بثلاثة مستويات تشكل المجالات التي تتجسد فيها مختلف مظاهر ترسيخ ثقافة الحق و الواجب و الديمقراطية،…. و هي: المستوى البيداغوجي، و المستوى التربوي، و المستوى الثقافي ـ المجتمعي.

*       المستوى البيداغوجي: يتجاور مستوى إعتبار التربية على المواطنة مادة دراسية، بل يقوم بإدراج مفاهيم و قيم المواطنة الحقة كالكرامة، و المساواة، و الحرية،… على أساس ترسيخ هذه القيم في سلوك المتعلم (ة) و مواقفه.

*     المستوى التربوي: حيث تتولى كل المؤسسات المهتمة بمجال التربية، من الأسرة و المدرسة ووسائل الإعلام و فعاليات المجتمع المدني و غيرها بث قيم المواطنة السالفة الذكر في نفوس الناشئة.

*     المستوى الثقافي ـ المجتمعي: حيث تنفتح مادة التربية على المواطنة، من خلال إمتداداتها على مختلف هيئات المجتمع للمساهمة في تنشئة التلميذ (ة) على مبادئ و مفاهيم المواطنة و حقوق الإنسان في كونيتها و شموليتها. و بالتالي يشكل هذا المستوى مرحلة للوعي بالأبعاد الحقوقية كخطوة نحو الإلتزام بها.

*   الغايات الكبرى من التربية على المواطنة:

     تتوخى التربية على المواطنة تنمية الوعي بالحقوق و المسؤوليات الفردية و الجماعية و التدرب على ممارستها، و هو ما يجعل المدرسة مفتوحة على الحياة و يحولها إلى فضاء يوفر للمتعلمين و المتعلمات فرص بناء الشخصية و إكتساب الإستقلالية و العيش مع الأخرين رغم إختلاف مرجعياتهم و معتقداتهم (التعايش) و ممارسة المواطنة النشيطة و الملتزمة بالقانون ” مقننة ” حفاظا على النظام العام.

     إن المواطنة الفاعلة و المسؤولة لا تعد فقط المتعلمين و المتعلمات لممارسة هذه المواطنة متى بلغوا سن الرشد (18 سنة)، بل تنمي لديهم، من خلال أنشطة تفاعلية و إستراتيجية تعلمية مبنية على المشاركة، و القدرة على أن يكونوا في كل لحظة و في كل سن مواطنين صالحين بكل المقايس. و منه يمكن تلخيص الغايات الكبرى للتربية على المواطنة في الخطاطة التالية:

Sans titre

 خطاطة توضيحية تبرز الغايات الكبرى للتربية على المواطنة

      وختاما، فالتربية على المواطنة هي في الأصل تربية على الحقوق و الواجبات التي يجب على المتعلم الإلمام بها، مع الإعتزاز بالإنتماء إلى الوطن و الإفتخار بإتجازاته الخالدة في مجال حقوق الإنسان، لدى تعتبر التربية و التنشية على المواطنة الحقة و النشيطة أساس كل بناء ديمقراطي هادف إلى الرقي و التقدم.