تعتبر الصحة بدون منازع أولى القطاعات حيوية وأكثرها أهمية في كل مجتمع أو تجمع بشري، وأذكر أنه كان من الأبجديات التي تلقيناها حول المنظومة الوطنية للصحة، أن صحة المواطن أو أي إنسان عموما، تعد أولوية لا تؤخر، فالإنسان المعافى بدنيا، السليم عقليا والمرتاح اجتماعيا هو في المقام الأول من يستطيع العمل والإنتاج في أي قطاع ومجال، فالأستاذ أو المعلم لا يستطيع أن يؤدي عمله ورسالته إلا إذا كان سليما معافى،كذلك الطالب لن يستطيع مسايرة الدرس وتحصيل العلم إلا إذا كان في صحة جيدة وعافية، وفي قطاع العدل فإن القاضي لا يعقل أن يقضي بين الناس وهو مريض، فذلك مما يؤثر على جودة وعدالة الحكم، وهذا مما هو يتعارف عليه من شروط القاضي أثناء إصدار الحكم،قس على ذلك في كل القطاعات، من فلاحة وصناعة ونقل وأي مجال كبر شأنه أو صغر فإن العامل به لا يستطيع أن يباشره فأحرى أن ينتج فيه ويستمر إلا إذا كان سليما معافى وفق التعريف الشامل للصحة، والتي تعني: “الحياة السليمة والكريمة، بدنيا، عقليا واجتماعيا” « la santé est le bien être physique, morale et social » .

من هنا نرى مدى أهمية الصحة باعتبارها قطب الرحى في أي مجتمع،وأولى الأولويات في أي برنامج حكومي جاد، لأنها ببساطة وكما رأينا فإنها من أهم مقومات وشروط النهضة لأي مجتمع وأمة، فالإنسان المريض والسقيم في جسده، المختل والعليل في عقله، والفقير المعدم في محيطه ومجتمعه، لا يستطيع أن يساهم في دورة الازدهار المجتمعية، بل سيكون مركب نقص ونقطة ضعف تؤدي إلى تخلف وتقهقر الدولة والمجتمع.

من هنا نفهم كيف أن الدول المتقدمة حقا، والتي تحترم مواطنيها في أوضح و أولى حقوقهم وهو حق الحياة والصحة، كيف أنهم يعدون أنظمة صحية متكاملة قوية البناء متكاملة الأركان لرعاية صحة المواطن، ظنا منهم أنهم ذلك يساهم في ازدهار المجتمع ككل في كافة المجالات وكل القطاعات، ولأجل ذلك الغرض تخصص من الميزانية العامة نسبا مهمة ومحترمة لقطاع الصحة، إذ تعد جودة الخدمات الصحية معيار تقدم المجتمع ومقياس نجاح الحكومة و”ترمومتر” رضا أو سخط الناخبين.

وفي معرض الحديث عن جودة الخدمات الصحية، نستحضر مبادرة وزارة الصحة بالمغرب حيث دأبت الوزارة على تنظيم ما يسمى ” منافسة الجودة” أو « concours qualité ». وإذا سلمنا بسلامة الفكرة وأهميتها، فإننا نتساءل حول جديتها ومصداقيتها وتأثيرها المفترض في تطور منظومتنا الصحية.

ولا بأس أن نذكر في البداية أن مسألة الجودة في قطاع الصحة قضية متشعبة وتحد متنوع المفاوز يقتضي العمل أولا على تجويد وتحسين عدة عناصر هيكلية ووسائل و أساليب،غير أننا سنحاول التركيز على أهم العناصر في منظومة الجودة بل محور دورانها وهو العنصر البشري.

وباعتباري من رجال الميدان في هذا القطاع وأحد أفراد هذا العنصر البالغ الأهمية، فإني أقول كخلاصة أولية بضرورة العمل على تجويد منافسة الجودة ذاتها، فهذه المبادرة أو البرنامج هو نفسه بحاجة إلى جودة وإلى عمل قاعدي عميق بميزانية أهم وجدية أكثر ومصداقية أعمق، وهي تلك القيمة التي تنقصنا كثيرا في معظم مشاريعنا المجتمعية، كما رصد ذلك عالم المستقبليات د المهدي المنجرة رحمة الله، في خضم تقييمه للواقع التنموي للمجتمع المغربي.

ومن بين المؤاخذات الصريحة على هذه المبادرة، والتي تعكس أغلبية آراء الأطر الصحية،فإن ما يسمى منافسة الجودة تظل برأيي دعاية وزارية شكلية ولا تساهم بالشكل التي هي عليه إلا في تضبيب الصورة حول صحتنا، و تعطل بالتالي الإصلاح السليم، ذلك بذر الرماد في العيون ووضع “العكار على الخنونة” و تلميع الصورة أو القشرة الخارجية.

فهذه الجودة المبنية على ترسانة بشرية ضئيلة غير محفزة ولو معنويا، وميزانية هزيلة،وقرارات ارتجالية و إدارة لا يهمها سوى الأرقام و القول بأن “العام زين”، وبنية تحتية ضعيفة، إلى غير ذلك من الهنات والنقائص. وهكذا و بكل صراحة مريرة فإن هذا البرنامج لن يصل حتما إلى الأهداف المسطرة، لتبقى المخططات الورقية أحلاما من ورق.

إن الجودة أقول: تقتضي الاهتمام أولا بالطاقات البشرية التي ستحمل هذا العبء من حيث الكم والكيف، و الوضع الحالي للموارد البشرية لا من حيث كمها حيث الخصاص المهول، ويقدره وزير الصحة نفسه ب 9000 ممرض و مثلها من الأطباء، و لا من حيث الكيف حيث نقص التكوين المستمر ذو الجودة الكافية، وتدهور الأحوال الاجتماعية التي تؤثر على نفسية رجل الصحة و بالتالي على مردوديته، ويطلب منه إضافة إلى كل تلك الأعباء في عمله، تجويد الخدمات والقيام في كثير من الأحيان بأكثر من دورين أو ثلاثة،وهو ما يخلق في واقع الأمر تدمرا من قبل الجميع وعدم القدرة على مباشرة كل الوظائف المطلوبة في ظل تكاثر البرامج على خلفية تعدد المخاطر على الصحة. لتظل الجودة في ظل هذا الواقع آخر ما يمكن الحديث عنه. إذ كيف لممرض مثلا، بذلك الأجر الزهيد في ظل وضعية قانونية ملتبسة دون قانون أساسي واضح ومفعل، ودون رد الاعتبار إليه لا معنويا ولا ماديا، وهو الذي تلقى على كاهله ومسؤوليته أكبر نسبة من الخدمات الصحية، وفي ظل غياب التقدير و التحفيز و التشجيع، كيف له أن يساهم في منظومة الجودة؟. و هو يشعر أن وضعيته نفسها لا جودة فيها. لتظل مسألة الجودة في ظل غياب خطة أساسية رسمية متكاملة، رهينة بالإرادات الشخصية والمبادرات الفردية من بعض الأطباء والممرضين الشرفاء التي تعد الجودة جزءا من حياتهم، و محاولة الإتقان والتجويد من مبادئهم وأخلاقياتهم. ليظل الأمر بعيدا من مفهوم  ممأسس للجودة كما يفترض أن يكون.

إن الجودة كمشروع تعمل عليه وزارة الصحة، ومثل باقي المشاريع والمبادرات المتعددة المسميات والمختلفة التوصيفات في مختلف الوزارات، هي مبادرات قد تكون حميدة ووراءها نيات سليمة، إلا أن تنزيلها في الميدان يقتضي عملا هيكليا وعملا وفق مشروع مجتمعي ضخم ومتكامل، يستهدف أولا الجانب الثقافي والأخلاقي عن طريق ترسيخ قيم حب واحترام معايير الجودة والإتقان لدا المواطنين ككل وكذا المسئولين والموظفين والأطر كما وصى بذلك ديننا الحنيف ،إضافة إلى توفير الميزانيات المعتبرة والكافية مع الحرص على الرقابة والمحاسبة الشديدة بخصوص أي درهم من المال العام، والعمل على توفير الإمكانيات اللازمة لتحدي الجودة بدلا من الاعتماد على نظام الترقيع، أو ما يسمى « Systéme. D »، ومع كل ذلك يتوجب تأهيل موارد بشرية  كافية كما ومؤهلة من حيث الكفاءة،  ومرتاحة من حيث وضعها السوسيو-اقتصادي، لينخرط الجميع في منافسة حقيقية للجودة، القصد فيه إنجاح مشروع مجتمعي متكامل، جاد و بناء و في كافة الميادين أولها قطاع الصحة المهم والحيوي.