إن الحديث عن التنمية القروية أو تطور المجتمعات القروية, يفرض صرف النظر نحو الجوانب الاقتصادية والاجتماعية كتعزيز النسيج الاقتصادي وخلق فرص للشغل والحد من الهجرة القروية إلى غير ذلك من الأبعاد السوسيو اقتصادية للتنمية . وكثيرا ما يتم الاهتمام بهذه الجوانب على حساب جوانب أخرى تتعلق بالتنمية السياسية.. والحق أن التحديث السياسي أو التنمية السياسية لا تقل أهمية عن الجوانب الأخرى للتنمية وذلك لعدة اعتبارات من أهمها : أن التحديث السياسي وما يرتبط به من مؤسسات وقيم هو إطار ضروري لتأطير مجهودات التنمية الاقتصادية والاجتماعية فهو إذن ضرورة من ضرورات التنمية الشاملة. ومواجهة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية كالفقر والبطالة والأمية فهذا لا يمكن أن يتم بفاعلية في غياب إطارات سياسية تضمن الحرية والمبادرة والفعالية وتمكن من توسيع قاعدة المشاركة السياسية. وان التنمية بمعنى الرفاه العام  هي مشكل سياسي بالأساس ومن الصعب تحقيقها في غياب تنمية سياسية حقيقية والشواهد على ذلك كثيرة : منها واقع العديد من المجتمعات القروية بالمغرب . حيث هناك جماعات قروية تعد من حيث ما تتوفر عليه من موارد مادية ومؤهلات اقتصادية من أغنى الجماعات القروية بالجهة, ومن أمثلة ذلك جماعة الشاطئ الأبيض القروية التي تتوفر على ثروات جد هامة (مناطق سياحية – الشاطئ الابيض. فم أوريورة . فم أساكة …- مقالع للحجارة… ضيعات الصبار . مناطق فلاحيه شاسعة ) زد على ذلك الرأسمال البشري أو الثروة البشرية التي لا يمكن إهمالها…لكنها تظل تعيش تخلفا اقتصاديا واجتماعيا. كضعف البنيات التحتية وتدني المستوى المعيشي للساكنة والأمية والبطالة … الخ

وعندما نبحث عن أسباب هذا التخلف نجدها بالأساس في تخلف الممارسة السياسية مع ما يرادف ذلك من سوء التسيير وسوء تدبير الشأن المحلي . ففعالية مجهودات التنمية بشكل عام والتنمية القروية بشكل خاص’ رهينة بإشراك الساكان المعنيين في تدبير الشؤون المحلية وفي اتخاذ القرارات المتعلقة بحياتهم اليومية وهذه أمور من صميم الحداثة السياسية.

وهذه اعتبارات من جملة ما يدفعنا إلى التساؤل عن واقع التحديث السياسي بالعالم القروي, وما يعترض ذلك من مواقف وعثرات  . لكن   ما المقصود بالتحديث السياسي؟؟ وما العوائق التي تواجهه في العالم القروي ؟؟؟

الحداثة والحداثة السياسية, والتحديث السياسي وغيرها من العبارات الأكثر تداولا في الأدبيات السياسية والاجتماعية , وبالرغم من تداول هذه العبارات على نطاق واسع فان فانه ليس من السهل إيجاد تعريف لها يجمع عليه الباحثين , ولعل السبب في ذلك راجع إلى إنها تشير إلى ظواهر غاية في التعقيد, ميزتها الأساسية أنها في تغير مستمر, فالحداثة تفلت من كل محاولة لحصرها في تعريف معين فكلما اعتقدنا أننا أمسكناها وفهمناها تكون قد انتقلت إلى موضع أخر وصارت شيئا أخر وأصبح ما بيدنا هو مجرد تقليد (جورج بالاندييه) .

فصعوبة تعريف كلمة حديث ترجع إلى كون معناها يتغير بشكل أساسي مع الزمن, فمع تعاقب الأزمنة فان ما كان يبدو حديثا في وقت معين فإنه يعطي الانطباع للأجيال اللاحقة بأنه أضحى قديما ومتجاوزا. والحداثة بهذا المعنى عبارة عن أفق غير محدد المعالم كلما تقدمنا في اتجاهه وأدركنا بعض مظاهره ظهرت لنا معالم أخرى , فقد يحدث أن يقال أن الحداثة تحيل إلى المجتمعات الغربية وان هذه الأخيرة هي مهد الحداثة ومرجعيتها الأساسية, وهناك من يعرفها على أنها عملية التغيير في اتجاه أنماط النظم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تطورت في المجتمعات الغربية والتي انتشرت بعد ذلك في البلدان الأخرى (العالم الغير حديث) , غير أنه من الصعب الأخذ بهذا التعريف لاعتبارات منها : أن المجتمعات الغربية بالرغم من القواسم المشتركة بينها ليست لها أنظمة سياسية واجتماعية وعقائدية موحدة, وبالتالي يصعب الانطلاق من واقعها لبناء نموذج واحد وموحد لمفهوم الحداثة . زد على ذلك أن تلك المجتمعات (الغربية) في تغير دائم , وأنها تعمل على تطوير نظمها الاجتماعية ومؤسساتها السياسية باستمرار, ثم أن تعريف الحداثة من خلال مرجعيتها الغربية وحدها تفترض أن المجتمعات الإنسانية الأخرى عاجزة عن إبداء شكل اخر من الحداثة (مجتمعات خاملة !!!!) في حين أن الحداثة نتيجة عملية إبداع مستمر ولعل هذا ما دفع بعض الباحثين إلى ربط الحداثة بالغرب وحده وهذا تعبير على نرجسية ومركزية مكشوفة .

فالحداثة إذن لا تتنافى مع التقليد, ولا يمكن وضعهما على طرفي نقيض, كما أن المجتمعات التي تنعت بكونها تقليدية من عناصر(مؤسسات..قيم…) هي من صميم الحداثة . فالتحديث والتطور قد يأتي نتيجة التركيب بين ما هو تقليدي وما هو حديث . فالتحديث السياسي بما هو عملية تطور وإبداع مستمرين لا يعني بالضرورة استيراد أفكار غربية وغرسها في المجتمعات التقليدية أو السائرة في طريق التحديث , أو تقليد نموذج معين من المجتمعات الغربية فالتحديث السياسي لا يحيل على نموذج سياسي بعينه بقدر ما يحيل على أفق وعلى مثل عليا يتطلب تحقيقها بناء أدوات مؤسساتية ملائمة وفعالة. لهذا كان للتحديث السياسي بعدان أساسيان بعد فكري ثقافي يتجلى في مجموع الأفكار والقيم والمثل العليا التي تكتسي طابعا إنسانيا كونيا وبعد مؤسساتي يتجسد في المؤسسات والهياكل القمينة بترجمة تلك الأفكار والقيم على أرضية الواقع والتي تختلف طبيعتها باختلاف المجتمعات وخصوصيتها .

يمكنني أن استخلاصا من كل ما سبق ذكره أن أجازف بتعريف لعملية التحديث السياسي والقول عنه انه العمل من أجل تدبير أفضل للشأن العام على الصعيدي المحلي والوطني , ولمصلحة أكبر عدد ممكن من الشرائح الاجتماعية , ويقتضي ذلك حسن التدبير وإحداث آليات ومؤسسات تضمن مشاركة المواطنين في اتخاذ القرارات التي تهم حياتهم اليومية , وممارسة حقوقهم المدنية على أساس المساواة والعدل واحترام خصوصيات الآخرين , في إطار يضمن الشفافية والعدل والمسؤولية لأجل تحقيق هذه المقتضيات لا بد من توفر شروط أساسية لا يمكن إغفال أي منها كسيادة قيم وقناعات تؤسس للمساواة والعدل مع وجود آليات تضمن مراقبة المسؤولين على الشأن العام ومحاسبتهم وتقويمهم ووجود آليات تضمن التداول على مراكز القرار السياسي على الصعيدين المحلي والوطني, واستبدال الآليات الشرعية التقليدية المستمدة من الحق الإلهي أو التفويض الإلهي أو التقاليد والأعراف بشرعية جديدة تقوم على الانتخاب والانتداب والقانون ونزع القدسية عن النخب…

لكن التوصل إلى الحداثة والتحديث بهذا المعنى هو عملية شاقة وتواجهها عثرات وصعوبات في أكثر من مجال, وترتبط بسائر التحولات السوسيو اقتصادية والثقافية التي يعرفها المجتمع المغربي والقروي منه على وجه الخصوص, وسأقتصر على بعض العوائق التي تواجه التحديث السياسي بالعالم القروي خاصة تلك التي ترتبط بفعل الأحزاب السياسية أ تلك المرتبطة بالتنظيمات القبيلة , دون أن يعني ذلك أن هاذين المتغيرين هما الوحيدين المحددان لعملية التحديث السياسي أو حتى أهمهما

فالأحزاب السياسية مبدئيا ونظريا هي أحد أدوات التحديث السياسي بامتياز حيث تشكل الإطارات السياسية الملائمة لنشر الأفكار والقيم والمبادئ الحداثية وكذا تأطير المواطنين وتهيئتهم للوصول إلى مراكز القرار السياسي, بغية تطبيق تلك المبادئ والأفكار وترجمتها على ارض الواقع , وتضمن التعددية الحزبية المبنية على اختلاف المبادئ والأفكار , وليس مجرد التنافس والصراع من اجل المواقع والكراسي السياسية العليا, فالشرط الضروري للمنافسة المفضية إلى التداول على مراكز القرار السياسي عبر انتخابات دورية ونزيهة تتيح للناخبين فرصة تقييم الأداء السياسي والتدبيري لمنتخبيهم, ومن شأن هذا الشرط ان يرغم النخبة المنتخبة على مراعاة مصالح الأغلبية أثناء تدبير الشأن العام وتوخي الفعالية اللازمة.

لكن ما مدى حضور الأحزاب السياسية بالعالم القروي,؟ وهل تقوم فعلا بالدور المنوط لها بكل جدية وتفان ؟؟؟

صحيح أن مدى تواجد الأحزاب السياسية على صعيد المجالس المنتخبة وخاصة القروية لا يعكس بالضرورة مدى تواجدها على الساحة السياسية المحلية, ومدى نشاطها فيها , ومع ذلك لا يمكن إنكار الدور الذي تقوم به الأحزاب السياسية في نشر مظاهر التحديث بالعالم القروي  ويتجلى ذلك من خلال أن مجرد تواجد أحزاب سياسية  في المجتمع القروي يشكل في حد ذاته مظهرا من مظاهر الحداثة السياسية, وان تواجد الأحزاب السياسية بالعالم القروي من شأنه إفراز أشكال جديدة من المشروعية السياسية ترتبط بالممارسة الحزبية عوض المشروعية التقليدية القائمة على التقاليد أو الحسب … لكن التنظيمات الحزبية هي تنظيمات دخيلة على المجتمعات القروية التي هي مجتمعات قبلية بالأساس ويظهر ذلك من خلال أن تلك التنظيمات لم تتمكن بعد من فرض منطقها ومعاييرها ومبادئ سيرها وعلى الواقع المحلي بل على العكس تأثرت من ذلك بنسب متفاوتة حسب المناطق وأصبحت تعمل وفق بعض المعايير التقليدية البعيدة كل البعد عن مفهوم الحداثة, ويتجلى ذلك من خلال ما نراه من لجوء بعض المنتخبين إلى أساليب الضغط العتيقة (الذبيحة للانتخابات و القسم على كتاب الله لاستقطاب الأنصار أو لضمان ولائهم أو لحمل الناخب للتصويت لصالح حزب أو شخص معين …) في الوقت الذي يفرض منطق الحداثة أن تظل الانتماءات الحزبية رهينة بقناعات الأفراد واختياراتهم. كما يلاح أن بعض التنظيمات الحزبية المتواجدة بالعالم القروي ليس لها من التنظيم إلا الاسم لا أكثر فهي لا تتوفر على مقرات معروفة ولا على هيكلة محددة ولا على قوانين داخلية ولا على مسؤولين محددين ولا على نشاط دائم , فالعديد من أقطاب الأحزاب السياسية المتواجدة بالعالم القروي لا يتوفرون على وضع مؤسستي معروف داخل أجهزة تلك الأحزاب وأحيانا لا يستمدون مشروعية سلطانهم من أي قانون اللهم تأثيرهم على العلاقات الشخصية أو التقاليد أو النسب القبلي أو غير ذلك من أساليب المشروعية التقليدية , كما أن الولاء أحيانا للأحزاب السياسية غالبا ما يكون لأقطابها كأشخاص أكثر مما يقوم على التشبع بأفكارها وبرامجها ومشاريعها . كما أن من أساليب الفشل السياسي بالعالم القروي كون معظم التنظيمات السياسية النشطة لا تتوفر على أيديولوجية بل تقوم على نظرة شمولية للأوضاع المحلية والوطنية ولا تتوفر على برنامج عمل محدد.

ومن المعلوم أن التنظيم الاجتماعي والسياسي السائد في المجتمعات المغربية القروية منها بشكل خاص هو التنظيم القبلي التقليدي. ورغم كل ما قيل ويقال عن تلاشي التنظيمات القبلية في المجتمع القروي المغربي فان سوسيولوجية الانتخابات في المغرب تبين أن الانتماءات القبلية والبنيات الثقافية المرتبطة بها لا تزال تؤثر بشكل واضح على السلوك السياسي للمواطن القروي فهل تعتبر التنظيمات القبلية عائقا أمام الحداثة السياسية؟

إن الحديث عن القبيلة لا يخلو من شحنة عاطفية وبطانة أيديولوجية .لذلك يجب أن نستبعد بدءا من المواقف المعادية والمحتقرة لكل ماهو قبلي. أو قروي… تلك الهياكل التي تعتبر الهياكل القبلية هياكل عتيقة منافية للحداثة والتحديث. فإذا حاولنا تجاوز هذا المنطق الأيديولوجي وغضضنا النظر عن الانتقادات الموجهة اليه (انتقادات عبد الله العروي) ورجعنا إلى التاريخ القريب وجدنا أن القبيلة أو احد إطاراتها (الفخذة…) هي الإطار الذي كان ينتظم فيه السكان القرويون خاصة أيام السيبة أو تنظيم المقاومة ضد المخزن او أي عدوان خارجي (غزي) وكذا تدبير الشأن المحلي (الحرث الحصاد والدرس ومعالجة الخلافات داخل القبيلة والعلاقات مع القبائل الأخرى) .

إلا أن هذا لا يعني أن هذه التنظيمات القبلية كانت ديمقراطية مثلى فعملية اتخاذ قرارات داخل الجماعات التقليدية لا تخضع دائما لقواعد الديمقراطية بقدر ما تخضع لميزان القوى بين أعضائها وغالبا ما تسود المجتمعات القبلية اللا مساواة بين الرجال والنساء والصغار والكبار والغرباء وأهل القبيلة.. .

وهكذا فعوض توظيف ما هو ايجابي في الموروث القبلي من اجل التنمية والتحديث حول بعض الفاعلين السياسيين القبيلة وما يرتبط بها من تقاليد وأعراف وثقافة إلى رهان سياسي يوظفها البعض توظيفا أيديولوجيا والبعض الأخر يوظفها إطارا أساسا للتعبئة السياسية  وهذا ما أصبح يؤثر على الطموحات السياسية للجماهير القروية التي للأسف ظلت تحصر مطالبها واهتماماتها فيما يرتبط بقوتها اليومي ( اهتمامات خبزية) على حساب المطالب السياسية والمشاركة في تدبير الشأن العام. وطلب الديمقراطية والتحديث والدفع بقافلة التنمية والنضال لأجل ذلك.