قبل الحديث عما بعد استحقاقات 04 شتنبر وما خلفته من حقائق لدى البعض وأوهام لدى البعض الآخر، يجب ان نعود لما قبل هذا التاريخ حيث حان الجميع يشتغل في صمت او بشكل مغاير من داخل إطاره السياسي أو غيره من الاطارات التي أُعتبرت تحضيرية لمحطة قادمة تستدعي حشد المزيد من المتعاطفين و “المريدين” والأنصار، ومزيدا من الأصوات في جو يطغى عليه التنافس بين قواعد هذا الحزب او ذاك وفق القوانين الأساسية والداخلية لمجموع الأحزاب التي كانت حاضرة “سياسيا” على مستوى تراب إقليم جرسيف.

بعد الاستحقاقات مباشرة، باشرت الأحزاب التي حصلت على “ثقة” الناخبين عملية الاتصال وتكليف “لجان التفاوض” وتعيين” سفراء النوايا الحسنة” المتبادلة بين أحزاب، الاستقلال، العدالة والتنمية، الأصالة والمعاصرة والاتحاد الاشتراكي، دون الرجوع إلى القاعدة الوطنية التي يتكلم فيها السياسيون والقادة على مستوى المركز، عن أحزاب الأغلبية وأحزاب المعارضة جاعلين مصلحة بعضهم البعض فوق كل اعتبار وفوق كل المواثيق والبروتوكولات التي تجمع هذا الحزب بذاك أو ذاك بالآخر.

تحالف العدالة والتنمية مع حزب الاستقلال بإقليم جرسيف وإصدار ميثاق شرف يتفق فيه الطرفان على حيثيات التحالف، يعتبر منافيا ومخالفا للبيانات التي أصدرها الحزبان على المستوى الوطني، فحزب الاستقلال وقع رفقة حزب الأصالة والمعاصرة، الاتحاد الاشتراكي، والاتحاد الدستوري وثيقة يحرمون ويجرمون فيها التحالف مع أحزاب الأغلبية وخاصة العدالة والتنمية، وبالمقابل أبلغ عبد الاله بنكيران إخوانه وقواعده بأن التحالف مع حزب الجرار والميزان خط أحمر، بما يعني ان التحالف الذي يجب ان يكون والتحالف المنطقي والذي يتماشى مع ما يتمناه قياديو أحزاب المعارضة، هو تحالف حزب الاستقلال في شخص وكيل لائحته علي جغاوي، وحزب الأصالة والمعاصرة في شخص وكيل لائحته محمد البرنيشي، فلماذا لم يتم ذلك وما السر في هروب كلاهما للتنسيق والتحالف مع حزب العدالة والتنمية رغم احتلاله المرتبة الثالثة على مستوى بلدية جرسيف؟ ولماذا رفض البيجيدي عرض حزب الأصالة والمعاصرة الذي منحه رئاسة المجلس الحضري، في حين قبل بالتسيير في عرض حزب الاستقلال؟ هل الخلل يكمن في حزب الأصالة والمعاصرة أم في ممثله محمد البرنيشي؟ أم هي حسابات أخرى تعود أطوارها إلى ما عرفته عملية تشكيل المجالس السابقة والتي كان حزب العدالة والتنمية جزء منها؟

بعيدا عن لغة التحالفات قريبا من لغة الأرقام، قد يتساءل الكثير من المتتبعين عن سر دخول حزب العدالة والتنمية كرقم مهم في تحالفات تشكيل مجلس بلدية جرسيف رغم احتلاله المرتبة الثالثة بتسعة مقاعد، وقد يتساءل البعض الآخر كيف حصلت البجيدي عن الرتبة الأولى إقليميا من حيث عدد المقاعد بــ (64) مقعدا، فالسؤال الثاني يجيب عن السؤال الأول، فتزكية العدالة والتنمية لمناضليها بجميع الجماعات الترابية بالإقليم باستثناء جماعة بركين التي ستبقى وصمة عار على جبين هذا الحزب، بوأه هذه المرتبة المشرفة التي تعكس نوعا من الديمقراطية الداخلية وشيئا من الالتزام السياسي والتنظيمي، عكس ما عاشه منافسيه حزب الاستقلال وخصوصا الأصالة والمعاصرة، الذي منح قياديوه الجهويون والمركزيون مفاتيح الحزب بإقليم جرسيف للبرنيشي وسحب جميع مناضلي البام المتغلغلين في مجتمعاتهم الصغيرة والذين أشرفوا على بناء صرح هذا التنظيم بالإقليم منذ أزيد من خمسة سنوات وسهروا على ان يستمر إلى ان حلت الانتخابات، وتزكية وجوه لا علاقة لها لا من قريب ولا من بعيد بالبام، والذي كان له الأثر الكبير على مجموع النتائج المحصل عليها على مستوى المدينة والاقليم، كما له أثر جسيم في إيجاد تحالفات وفق ما تنص عليه وثائق الحزب وبياناته بتنسيق مع أحزاب المعارضة.

فحصول العدالة والتنمية على تسعة مقاعد بالحضري له ما يبرره رغم ان هذا الحزب لم يكن رقما مهما في معادلة الانتخابات الجماعية والجهوية بإقليم جرسيف بناء على ضعف حملته الانتخابية، التي لم تكن ترقى إلى مستوى حملات حزبي الاستقلال والأصالة والمعاصرة بغض النظر عن مصدر تلك الحشود التي كانت تأثث حملاتهما، وذلك اللوجستيك الذي تم استعماله وسخره كلاهما، إلا ان البجيدي عرف جيدا كيف يستفيد من صراع الأخوة الأعداء وعرف جيدا كيف يستثمر مجموع الأخطاء التي ارتكبها خصومه قبل وإبان الحملة الانتخابية.

الاتحاد الاشتراكي الحاصل على المرتبة الرابعة بـ 32 مقعدا إقليميا، أثرت في نتائجه أزمته الداخلية قبل أيام من انطلاق الحملة الانتخابية ناهيك عن ضعف لائحته التي لم تكن لترقى إلى مستوى تطلعات الاتحاديين الذين انسحب جزء منهم وبقي الجزء الآخر يحارب الوافدين عن هذا الحزب الذي كان من الممكن ان يشكل البديل في صراع الاستقلال والأصالة، وما قلناه عن حزب الوردة يشبه إلى حد كبير ما وقع بحزب الجرار، الذي لفظ جميع مناضلي الحزب وإقصائهم من جميع اللوائح الانتخابية وعدم إشراكهم في أي جزء من أجزاء عملية التحضير لاستحقاقات 04 شتنبر، مما أثر سلبا على نتائج الحزب وعزل البام في زاوية بعيدا عن جل التحالفات.

حزب الاستقلال الحاصل على المرتبة الرابعة إقليميا بـ 32 مقعدا والثانية محليا بعشرة مقاعد، ورغم خروجه رابحا في صراعه مع محمد البرنيشي بخصوص الانفراد بتسيير حزب الميزان، ورغم تمكنه من إقناع جل مناضلي الحزب بالبقاء والاشتغال من داخل تنظيمهم عكس ما وقع بحزب الاتحاد الاشتراكي، إلا انه لم يتفنن في توظيف جميع إمكانياته المادية والبشرية، ليقتصر على تجييش الشباب في حملاته الانتخابية معتمدا عن المظهر متناسيا جوهر العملية الانتخابية التي تخضع لقواعد خاصة، فجل هؤلاء الشباب إما قاصر وإما غير مسجل باللوائح الانتخابية وإما لا تربطه بالحزب إلا فكرة “باغي ندبر على راسي” ومن بعدي الطوفان.

المواطنون، ساكنة إقليم جرسيف، الناخبون، عاشوا حربا ضروسا إبان فترة الحملة الانتخابية من أجل أن يتصدر حزبهم المراتب الأولى وبالتالي السهر على تسيير مجلس جماعتهم، فمنهم من نعت منافسيه بالفاسدين والمافيوزيين والبعض الآخر نعت منافسيه بتجار الدين و “الباجدة”، إلا ان هذه النعوت سرعان ما أصبحت مديحا وودا تبادله قطبين أو اكثر، ظهرت بعدها تحالفات لا تعكس التوجهات العامة لمكاتبهم السياسية على المستوى المركزي، بالقدر الذي لا تعكس إرادة من منحهم أصواتهم من اجل محاربة الفساد والمفسدين من جهة وقطع الطريق عن تجار الدين الرجعيين من جهة أخرى، ليدخل مستشارو جل الجماعات في تحالفات طغت عليها المصلحة الشخصية واختفت المبادئ والمواقف والرغبة في التغيير الذي تطمح إليه الساكنة، وهذا ما سيسجله متتبعو الشأن المحلي بعد اكتمال المشهد خلال الأيام القليلة القادمة.