مُوازاةً مع النقاش الدائر حول سُبل إصلاح منظومة التربية والتعليم، قدّم رئيس مجلس المستشارين، الشيخ محمد بيد الله، تصوّراته حوْل إصلاح المدرسة المغربية، بقطاعيْها العمومي والخصوصي، وذلك في كلمة له في افتتاح أشغال اليوم الدراسي الذي نظمه الفريق الفدرالي للوحدة والديمقراطية حول موضوع “إشكالية التعليم وآفاق الإصلاح” بمجلس المستشارين.

وحدّد الشيخ بيد الله خمسة رهانات محوريّة قال إنّ استشراف مدرسة المستقبل يتوقّف على كسْبها، ويتمثّل الرهان الأول في قدرة المدرسة على تكوين مواطن متشبّع بالهوية المغربية الموحّدة بثوابتها الراسخة، والمتعددة بروافدها اللغوية والثقافية، مع الانفتاح على القيم الكونية.

وأضاف أنّ كسب هذا الرهان سيُمكّن من تنشئة مواطن متمسك بممارسة مواطنته كاملة، في موازنة بين الحقوق والواجبات، وفي التزام واع بفضائل السلوك المدني، مشارك في الحياة السياسية والممارسة الديمقراطية المبنية على حرية التعبير وتعددية الرأي والحس النقدي والحق في الاختلاف البناء.

وأمّا الرهان الثاني –يقول بيد الله- فيتجلّى في رفع تحدي الاندماج الفاعل في مجتمع المعرفة، بوصفه خيارا كونيا يستقطب كافة بلدان العالم، في إطار عولمة منظومة المعرفة والاعلام والاتصال، وسيطرة الثورة الرقمية؛ واعتبر المتحدث أنّ أمام المغرب فرصة تاريخية لربح معركة التنافسية الدولية، عبر التحكّم في المعرفة والابتكار والبحث العلمي.

وفي الوقت الذي رفعتْ وزارة التعليم العالي والبحث العلمي وتكوين الأطر ميزانية البحث العلمي، قال بيد الله إنّ مستقبل الجامعة يتحدّد بقدر كبير بمستقبل البحث العلمي، داعيا إلى الرفع من مؤشرات الجامعة المرتبطة بنسب التمدرس، وبحجم الانفاق في البحث العلمي والتقني، وبمستوى الاستثمار في مسالك التكوين المرتبطة بمهن المستقبل.

واستطرد بيَد الله أنّ على المدرسة المغربية أن تُسهم في كسب رهان ثالث، يتعلّق بالرفع من مؤشرات التنمية البشرية والإدماجية للمغرب، مضيفا أنّ المهمّة المطروحة على المدرسة العمومية والفاعلين فيها لا تنحصر فقط في تجاوز اختلالاتها الداخلية، التي تتحمّل جانبا من المسؤولية في تدنّي مؤشرات التنمية البشرية، بل تتمثل أيضا في أن تكون أداة طبيعية للرفع من مستوى تلك المؤشرات.

ودعا في هذا الصدد إلى أن تضطلع المدرسة العمومية بتعبئة الإمكانات الذاتية للأفراد وتحرير طاقاتها لتكون قادرة على المبادرة والابتكار، وعلى الاندماج الفاعل في الحياة المهنية والاجتماعية، وجعلها آلية لتحقيق مبدأ تكافؤ الفرص والارتقاء الاجتماعي، بغضّ النظر عن الفوارق الاجتماعية والمجالية، وكذا توظيفها السليم كفضاء للاستهداف الناجع لبعض السياسيات الاجتماعية، من قبيل الصحة والدعم الاجتماعي وبرامج محاربة الفقر.

وزادَ رئيس مجلس المستشارين أنّ ثمّة رهاناَ رابعا يتحتمّ على المدرسة المغربية كسبَه، قوامه الرفع من جودة عمل الفاعلين التربويين، عبر تكوين معرفي متين وكفايات بيداغوجية وظيفية، ونظام ناجع للتحفيز والتقري والتقويم، وكذا من خلال انخراط فاعل في مشاريع إصلاح المدرسة وتجديدها، وذلك من منطلق أنّ الفاعلين التربويين، “ولا سيما المدرسات والمدرّسين، هم المحرك الأساسي للتجديد، والقلب النابض للإصلاح والتغيير”.

ودعا بيَد الله إلى تمكين المدرسة من طل الوسائل البشرية والمعرفية والبيداغوجية، ومن الاستقلالية الوظيفية وتنويع العرض التربوي والتكويني، على نحو يجعلها مدرسة تضع المتعلم في قلب انشغالاتها، وذلك بتوفير مقد بيداغوجي لكلّ طفل في سنّ التمدرس، والاحتفاظ به داخل الفصول الدراسية إلى استيفائه مرحلة التعليم الإلزامي، على الأقل.

hespress.com