مداخلة عبد العزيز الحفياني (باحث في التاريخ والتواصل والدراسات الإسلامية) ضمن ندوة علمية عن بعد التي نظمها المجلس العلمي المحلي بجرسيف يوم: 10/10/2020

في موضوع:   “الظاهــرة الوبائية وسبل مواجهتهــــا”

تقديم:

الحمد لله ذي الجلال والإكرام، ومرسل الرسل هداية لكل الأنام، ليخرجوهم من ظلمات المناكر والآثام، إلى نور الهدى ودين الإسلام، ثم الصلاة والسلام، على خاتمهم محمد النبي الهُمام، وعلى آله وصحابته الكرام. أما بعد:

إن الحديث عن تاريخ الأوبئة والجوائح التي تضرب مجتمعا من المجتمعات الإنسانية يدخل في نطاق الديموغرافيا التاريخية أو ما يسمى التاريخ الاجتماعي للأمم، فأغلب المصادر والمؤلفات التاريخية وضعها مؤلفوها للحديث عن التاريخ السياسي وما يحدث من تداولات للحكم بين أسر أو قبائل أو جماعات كتاريخ الأمويين أو العباسيين أو العثمانيين أو المرابطين…، ولم توضع مؤلفات تاريخية مخصصة للحديث عن أحوال المجتمع إلا نادرا ككتاب “المقدمة” لعبد الرحمان ابن خلدون وهو الجزء الأول الممهد لكتابه التأريخي “كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر”، حيث اجتهد رحمه الله في التأصيل لعلم الاجتماع أو ما اصطلح عليه هو بعلم العمران البشري فذكر نُتفا قصيرة وقليلة عن الوباء وكيفية انتشاره وتسببه في كثرة “المَوْتان”([1]) في الفصل الخمسين المعنون بــ: “في وفور العمران آخر الدولة وما يقع فيها من كثرة الموتان والمجاعات”([2]).

لذا يجد الباحثون صعوبة إن أرادوا دراسة الوضعية الوبائية لمنطقة معينة أو مجتمع ما في فترة زمنية معينة، فيضطرون للجوء إلى مصادر غير تاريخية تحوي معلومات متفرقة عن أحوال المجتمع ومحل استيطانه، يقوم الباحث باستقرائها واستنباط معطيات متناثرة حول الظاهرة الوبائية وظواهر أخرى ميزت المجتمع المعني بالدراسة مثل كتب النوازل الفقهية والفتاوى ككتاب المعيار للعلامة الونشرسي، التراجم والمناقب ككتب رجال العلم والتصوف والأشراف، الرحلات، الجغرافيا، المراسلات الرسمية وغير الرسمية، التقارير الصحية الصادرة عن الإدارة الاستعمارية خلال فترة الاحتلال الأجنبي، مذكرات السجناء، تقارير الجواسيس والمخبرين.

أولا- تاريخ دخول الأوبئة والجوائح للمغرب وصعوبة تصنيفها:

شكلت الأوبئة والجوائح تهديدا كبيرا سواء كان مستمرا أو مؤقتا للمجتمعات البشرية بما فيها المجتمع المغربي بالنظر إلى الآثار التي خلفتها فيه لسنوات أو أجيال متتالية، وقد شهدت الذاكرة التاريخية العربية والإسلامية عموما والمغربية خاصة على توالي موجات من الأوبئة والجوائح ضربت بلاد المشرق الإسلامي ثم وصلت إلى أراضي الغرب الإسلامي برقعتيه الإفريقية والأوروبية بلدان شمال إفريقيا (المغارب الثلاث: الأدنى والأوسط والأقصى) وبلاد الأندلس والجزر المتوسطية الغربية (صقلية، مالطة، البليار…) تختلف باختلاف الظروف التي زامنت حدوثها وخصوصية كل وباء وآثاره التي يخلفها في المنطقة التي يضربها.

يصطلح الباحثون في التاريخ لفظ الجائحة على كل الكوارث والأمراض التي تصيب مجتمعا من المجتمعات الإنسانية على أوسع نطاق مكاني في زمن محدد، والوباء هو المرض الفتاك السريع الانتشار مثل وباء الطاعون الأسود والكوليرا وغيرهما. ويعتبرون الجائحة سببا في نشوء وباء معين، فالجفاف أو هجوم الجراد أو الفيضان قد يؤدي أحدها إلى ندرة المواد الغذائية أو فقدانها فتحدث مجاعة، والمجاعة تؤدي إلى سوء التغذية أو الموت، والموت دون دفن جثث أو التخلص منها قد يؤدي إلى حدوث جراثيم ممرضة تنتقل بين الموتى والأحياء بواسطة حشرات أو حيوانات أو عن طريق اللمس والشم والاستنشاق وغيرها.

وقد توالت على المغرب مثل هذه الحالات خاصة في القرن 18م والقرن 19م كما هو موضح في الجدول التالي ذكرها محمد الأمين البزاز مفصلة في كتابه “تاريخ المجاعات والأوبئة بالمغرب في القرنين 18 و19 الميلاديين”([3]) كما هو موضح في الجدول الآتي:

ثانيا- أهم أصناف الأوبئة التي ضربت المغرب:

لم تخبرنا المصادر التاريخية عن أصناف الأوبئة التي اجتاحت المغرب منذ العصور القديمة اللهم ما تناقلته روايات عن زمن الرومان وهجمات الشعوب المتبربرة في فترة ضعفها وانقسامها عن تفشي أوبئة بمنطقة البحر المتوسط مثل داء الجدري وأوبئة تشبه الطاعون في فتكها وانتشارها السريع، كما شاعت ظاهرة نهب الغلال من طرف الجنود، وأصبحت المجاعة أشد قسوة جعلت الناس يأكلون لحم غيرهم من البشر، ولا يستبعد أن يكون المغرب وممالكه وقبائله الأمازيغية قد تأثرت بها بفعل المجاورة ووقوعه تحت السيطرة الرومانية والبزنطية، أو عبر المبادلات التجارية التي كانت تربطه بشعوب المنطقة إضافة إلى تحركات الجيوش والحروب.

ففي عصور ما بعد الفتح الإسلامي كانت الأخبار متفرقة وأتت لأول مرة  إشارات مباشرة إلى وباء وقع العام 540 و541 هـ/ 1145-1146م، وهو زمن انتقال السلطة من المرابطين إلى الموحدين، وربطتها بانحباس المطر وضعف الإنتاج الفلاحي، ومعظمها مستنبط من ما ذكرته النخب العالمة  في كتب النوازل الفقهية والرحلات.

أما الفترة التي حظيت بتغطية من لدن الكتابات المتنوعة في المجالين التاريخي وغير التاريخي فهي فترة ما بعد سقوط الدولة الموحدية وقيام الدولة المرينية، وأشهرها الطاعون الجارف الذي حدثنا عنه ابن خلدون في كتاب المقدمة وقال عنه:” هذا إلى ما نزل بالعمران شرقا وغربا في منتصف هذه المائة الثامنة من الطاعون الجارف، الذي تحيّف بالأمم، وذهب بأهل الجيل، وطوى كثيرا من محاسن العمران ومحاها، وجاء للدول على حين هرمها، وبلوغ الغاية من مداها، فقلص من ظلالها وفل من حدها، وأوهن من سلطانها، وتداعت إلى التلاشي والاضمحلال أحوالها”،([4]) وحديثه هنا عن طاعون سنة 749هـ/1347م، والدي انطلقت شرارته من بلاد شرق آسيا التي سماها ابن الخطيب في كتابه مقنعة المسائل عن المرض الهائل بأرض الخِطا والصين في حدود عام أربعة وثلاثين وسبعمائة أي حوالي 1334م([5])، وقد لقبته الكتابات الأوربية والأجنبية بالطاعون الأسود (La peste noire / The black Plague) الذي أهلك نصف سكان القارة العجوز وأتى أيضا على أعداد هائلة في بقاع أخرى مر منها.

 تلته طواعين وأوبئة أخرى في فترات متتالية إبان حكم الدولتين السعدية والعلوية، إذ صرحت كثير من المصادر باجتياح أوبئة متتالية أهلكت الحرث والنسل وأفنت عددا كبيرا من ساكنة الحواضر والبوادي ولم يسلم منها أحد من الفئات الاجتماعية بما في ذلك سلاطين([6]) ووزراء وعلماء وأشراف ووجهاء إلا بعض المناطق النائية وقليلة التجمعات البشرية كالصحارى وبعض البوادي .

غير أن القرنين 18 و19 الميلاديين كانا أصعب فترة مرّ بها الوباء والطواعين على المغرب الأقصى ومعه البلدان المجاورة ودخلته أصناف متنوعة صرحت بها أقلام المؤرخين المغاربة والمسلمين وكذلك التقارير والمراسلات التي دونها الأوربيون الذين عاصروا دخول تلك الطواعين والأوبئة وهي:

1- الجدري: مرض جلدي فتاك، ظهر منذ القرن الرابع الميلادي في الصين وانتشر بكثرة في آسيا ثم انتقل إلى أوروبا شمال إفريقيا عبر الفتوحات الإسلامية والتجارة ابتداء من القرنين السابع والثامن الميلاديين وبعدها انتشر في الأمريكيتين بواسطة الكشوفات الجغرافية خلال القرنين 15 و16م([7])، لكن خلال القرن 18م انتشر بكثرة في أوروبا، ولم يسلم منه المغرب بحكم الجوار والمبادلات التجارية التي كانت بينهما، ولا زال يصيب بعض الناس من حين لآخر رغم الأدوية والعلاجات المتوفرة.

2- الطاعون: هو جرثومة معدية تنتقل بين الإنسان أو الحيوان بواسطة مجموعة من النواقل كالحشرات والقوارض، أو عبر الهواء والأجسام المادية المصابة بتلك الجرثومة، ويخلف أعراضا عديدة على من يصاب به قد تؤدي به إلى الهلاك في وقت وجيز، وهو نوعان أساسيان:

أ- طاعون دُمَلي: أو الدُّبَلي، ويسمى أيضا العُقدي نسبة إلى العقد اللمفاوية الموجودة في الجسم والعضلات على وجه الخصوص، إذ يحدث دُمَلا وانتفاخات وتورمات مؤلمة في الأماكن الغائرة من تضاريس الجسم، وإذا لم يعالَج صاحبه بسرعة فقد يهلك في غضون أيام قليلة، وهو الذي انتشر في أغلب بلدان العالم خلال القرن 14م وسمي بالطاعون الأسود (La Peste noire)، ومنها بلاد المغرب التي دخلها في تلك الفترة وزارها في فترات أخرى موالية لها في القرون 17 و18 و19م.

ب- طاعون رئوي: هو الأكثر خطورة، وتصل نسبة الوفاة فيه إلى 90 على الأقل و100% على الأكثر، أي أن صاحبه معرض للموت بسرعة بمجرد دخول الجرثومة إلى رئتيه، من أهم أعراضه الحمى وضيق التنفس والهزال والضعف الشديدان والسعال المتواصل وتقيء الدم متكتلا أو سائلا وخروجه مع السعال والعطاس وهذه هي العلامة الدالة على الإصابة به وقرب هلاك صاحبه.

3- وباء الكوليرا: أو الطاعون الأزرق أو الوباء الأزرق، أو “بوگْــليب”، مرض فتاك قد يهلك المصاب به في غضون ساعات أو أيام قليلة جدا، وهو من الأمراض المعوية الخطيرة، ينشأ في المواطن التي تنعدم فيها النظافة وطهارة المكان وخاصة مواطن المياه الملوثة.

دخل المرض إلى المغرب عبر سفن ركب الحجاج وسفن التجارة والسفر، وقد احتاط منه الأوربيون كثيرا لمعرفتهم المسبقة به واتخاذهم سبل الوقاية الأولية كالنظافة في المسكن والملبس والمأكل والمشرب، أمّا المغاربة المسلمون واليهود فقد عانوا منه خاصة في المدن الكبرى فاس وتطوان ومراكش… لقلة شروط النظافة والازدحام أحيانا في المسكن الواحد مثل ملاح اليهود.

أما عن سر تسمية المغاربة له بمرض بوگليب فلأنه يجعل المريض ينقلب من حالة عادية إلى حالة غريبة في جلده ولحمه وشكله ووجهه.

4- التيفوس: أو التيفوئيد مرض جلدي خطير ينتقل بالعدوى بواسطة الحشرات الماصة للدماء خاصة القمل إضافة إلى الفئران والجرذان، فتك بعدد غير يسير من المغاربة في فترات عدة قبيل الحماية الاستعمارية نهاية ق19م وبداية ق 20م، إلى أن تم التوصل إلى لقاح مضاد له ساهم إلى جانب السياسة الصحية الاستعمارية في الحد من انتشار هذا الوباء.

5- الانفلوانزا الإسبانية: وباء يصيب الجهاز التنفسي للإنسان ويشبه إلى حد كبير مرض كورونا المستجد، يعتبره الباحثون والمؤرخون المعاصرون الأكثر فتكا في تاريخ البشرية بالنظر لحجم الأرواح التي أزهقها عبر العالم والتي وصلت إلى حوالي 100 مليون ضحية كحد أقصى و50 مليون كحد أدنى، انطلقت نارها من الولايات المتحدة الأمريكية ثم انتشرت سريعا عبر دول العالم إبان الحرب العالمية الأولى، سميت بهذا الاسم لأن الصحافة الإسبانية تحدثت عنها كثيرا بسبب حيادها خلال الحرب التي اهتمت بها الصحافة الأوربية والأمريكية أكثر.

دخلت إلى المغرب سنة 1919 بواسطة الجنود الفرنسيين والمغاربة والأفارقة المشاركين في تلك الحرب لم تدون تقارير رسمية عن عدد القتلى أو المرضى لكن المرض انتشر في المستعمرات التابعة للدول المتحاربة خاصة فرنسا وانجلترا، واستغرق القضاء عليه زمنا طويلا بفضل الأبحاث التي تم إجراؤها في أوروبا وأمريكا منذ اكتشافه.

– السُّلُّ: أو “الدرن” نوع من الأمراض الصدرية الفتاكة التي انتشرت عبر أصقاع الدنيا وأهلكت الكثير من السكان والجيوش في الحروب، وقد عانى منه كثير من المغاربة في المدن والقرى، يصنف ذا الداء ضمن دائرة الأمراض المؤقتة التي يمكن علاجها، وقد اكتشفت السلطات الاستعمارية فور احتلالها لبلدان شمال إفريقيا وخاصة المغرب أنها بؤر لتفشي داء السل الرئوي، وكان يحصد عددا كبيرا من الأرواح سنويا، بين الكبار والصغار خاصة الذين لم يستفيدوا من لقاح “البيسيجي” (B.C.G) ([8]).

6- وباء كورونا المستجد: فيروس (covid-19) يصيب الجهاز التنفسي وينتقل بالعدوى عبر الملامسة والاستنشاق، له أعراض مختلفة منها الحمى وفقدان حاستي الشم والذوق والسعال والعطاس الشديدان والشعور بالضعف والارتخاء وصعوبة التنفس.

انطلق من الصين أواخر شهر دجنبر 2019 وانتشر عبر العالم بسرعة فائقة مستفيدا من سرعة وسائل نقل السلع والأشخاص، حتى دخل دولا أوربية وأمريكية تعتني جيدا بالقطاع الصحي والاستشفائي فشكل ضغطا كبيرا على منظومتها الصحية ومواردها البشرية واللوجستية، ومن ثم انتقل إلى المغرب أواخر فبراير وبداية شهر مارس من سنة 2020، طبق المغرب حالة الطوارئ الصحية ومعها الحجر الصحي المنزلي بين 16 مارس 2020 و16 يونيو 2020، ولا زلت حالة الطوارئ مستمرة لحدود كتابة هذه السطور وتسجل الآن أرقام يومية مهولة من المصابين والمتوفين جراء هذا الوباء حيث وصلت مساء يوم الأحد 173.632 حالة مؤكدة من المصابين تعافى منهم 143.972 وتوفي منهم 2928 شخصا، وبذلك يحتل رتبا متقدمة بين الدلو الإفريقية والعربية من حيث عدد الإصابات والوفيات.

وقد اجتهدت الدولة بكافة مكوناتها بدْءا بالعاملين في المجال الصحي والسلطات المحلية والعاملين في الدعوة والإرشاد الديني كالمجالس العلمية في تذكير الناس بالإجراءات الوقائية اللازم اتباعها لمواجهة هذا الوباء الفتاك، في انتظار أن يمن الله علينا بدواء عاجل إن شاء الله تعالى.

ثالثا- سبل المواجهة:

1- توجهات العلماء وغيرهم في حكم مواجهة الوباء:

قبل الخوض في السبل التي ابتعها المغاربة لمواجهة الأوبئة، لا بد أن نشير إلى وجود توجُّهين مختلفين من لدن علماء الدين ورجال التصوف ومن يتبعهم من العامة في كيفية المواجهة وحكمها:

أ- توجّه أول: آمن بأن الطاعون والوباء هما من قدر الله ويجب الاستسلام له، وذلك بسبب سوء فهم النصوص الشرعية المتحدثة عن كيفية مواجهة الوباء إذا حل بأرض معينة إذ قرؤوها قراءة جامدة لم تلتفت إلى المقاصد الشرعية والتأصيلات الفقهية المعمول بها من لدن فُحُول فقهاء المسلمين وأئمتهم، لكن المنحازين لهذا التوجه كانوا قلة فقط أخذت بثقافة الانهزام والاستسلام بذريعة أن القضاء والقدر فوق الجميع ولا سبيل لمواجهته والتصدي له، وهذا مخالف لما ورد في أصول الدين حيث يوصي بالتوكل على الله والأخذ بالأسباب ومواجهة المصاعب بالطرق الحلال، بل لا بد من مقاومة الهلاك إذا اقترب من الإنسان مثل آيات القرآن الكريم “وخذوا حذركم”(النساء)، “ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما”(النساء)، “ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة”(البقرة)، وأحاديث كثيرة من السنة النبوية مثل حديث: “إِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ الدَّاءَ وَالدَّوَاءَ، وَجَعَلَ لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءً، فَتَدَاوَوْا، وَلَا تَدَاوَوْا بِحَرَامٍ”(رواه أبو داوود) ([9])تعضده أدلة كثيرة من القرآن والسنة الصحيحة والصريحة.

ومن هؤلاء نجد محمد بناني الذي عاصر طاعونا وقع بفاس سنة 1156هـ/1744م في رسالته المكناة بــ “رسالة في أحكام الطاعون” وهو مخطوط موجود بالخزانة العامة بالرباط منذ سنة 1854 ([10])، دافع عن الرأي القائل بوجوب الاستسلام للقدر وأن الموت لاحق ماحق ببني الإنسان أينما حلوا أو ارتحلوا مسدلا بكثير من النصوص على رأسها قول الله تعالى “أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة” (النساء، 31) وقوله تعالى: “قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل”(الأحزاب، 16) .

ب- توجّه ثانٍ: أكد أن الطاعون والوباء بشكل عام داء يجب مواجهته والبحث عن علاج له أو الوقاية منه، وقد انحاز له عدد غير يسير من أهل العلم والأدباء ورجال السلطة على مر العصور، وقد سارع عدد منهم إلى تأليف كتب تلزم الخاصة والعامة بالتصدي للوباء بالسبل الحلال وبعدة إجراءات، مثل لسان الدين بن الخطيب الذي ألف رسالة “مقنعة السائل عن المرض الهائل” التي نشرها م.ج. مولير سنة 1863([11])، ومن المغرب نجد عددا لا بأس به معظم أعمالهم لا زالت مخطوطة تحتاج إلى تحقيق ودراسة مثل المؤلف المغربي علي بن عبد الله بن محمد بن هيدور: توفي سنة 816هـ/1413م، في تأليفه: “المقالة الحكيمة في الأمراض الوبائية” وهو مخطوط موجود في الخزانة الحسنية تحت رقم 9605([12])، وركز على مرض الطاعون وسماه وباء ولقبه بالمرض الوابل. أضف إليه المؤلف الجزائري المغربي العربي بن عبد القادر بن علي الإدريسي الحسني المشرفي، (تـ 1313هـ/1895م)، كتابا سماه “أقوال المطاعين في الطعن والطواعين”، والذي خصصه بالكامل للحديث عن وباء الطاعون، وقسمه إلى سبعة أبواب مع المقدمة والخاتمة.

2- سبل المواجهة الروحية:

أ- الاستسلام للوباء: (بصفته قضاء وقدرا إلهيا) والاستمرار في ممارسة العادات اليومية دون تحرز أو وقاية، وقد تطرقنا لهذه القضية في توجهات العلماء في مواجهة الوباء.

ب- الدعاء الفردي والجماعي: مثل الأدعية المشروعة بالكتاب والسنة كحديث النبي صلى الله عليه وسلم: “اللهم إني أعوذ بك من البرص والجنون والجذام ومن سيّء الأسقام” (رواه أبو داود وصححه الألباني)، ودعاء اللطيف المشهور عند المغاربة “اللهم يا لطيف نسألك اللطف فيما جرت به المقادير”، أو أذكار جماعية في الزوايا والأربطة والمساجد.

ج- اللجوء إلى الصدقات والصوم: لورود نصوص من القرآن والحديث تؤكد أن الصدقة والصوم يدفعان البلاء ويجلبان البركة والحفظ كقول النبي صلى الله عليه وسلم: “إن صدقة السر تطفىء غضب الرب، وإن صنائع المعروف تقي مصارع السوء، وإن صلة الرحم تزيد في العمر وتقي الفقر، وأكثروا من قول لا حول ولا قوة إلا بالله، فإنها كنز من كنوز الجنة وإن فيها شفاء من تسعة وتسعين داء، أدناها الهم” (رواه الطبراني وغيره وصححه الألباني).

د- الاحتماء بأضرحة الأولياء أو والزوايا والأربطة الصوفية: هذه ظاهرة تحتاج إلى دراسة نقدية تصحيحية لإبراز جميع جوانبها الصائبة أو الخاطئة، لكن المؤرخين يعتبرونها سلوكا روحيا وردة فعل عاطفية جراء حالة الضعف التي تواجه الإنسان إذا هاجمه وباء أو فاجأته حرب أو جائحة مناخية أو بيئية، إذ أنه يسارع في البحث عن السبيل الأقرب لتصل مناجاته وآماله إلى الله تعالى حتى يرفع ما حل به من ضائقة أو ابتلاء، لذلك شاعت ظاهرة “الاستحرام” (طلب الحرمة والاحتماء) بأضرحة الأولياء والصالحين الموتى أو رجال الصوفية الأحياء.

هـ – اللجوء للشعوذة والتعاويذ: بدعوى أنها تحمي من المرض وتعالجه، ظاهرة كانت منتشرة بكثرة في المجتمعات العربية والإفريقية والآسيوية، حيث يلجأ الناس إلى أدعياء الرقية والعلاج الروحي والسحري فيزودونهم بتعاويذ يدعون أنها تخفف من وطأة الوباء وتقي شره، أو تعالجه علاجا نهائيا.

3- سبل المواجهة المادية:

أ- الحجر الصحي: هي أسلوب علاجي ووقائي في آن واحد، تقوم به الدولة أو الأفراد، يهدف إلى حجز المصابين بوباء فتاك يخشى من عدواه السريعة قصد  علاجهم أو على الأقل وقف تنقل العدوى منهم إلى غيرهم، وفي مغرب القرنين 18 و19م اجتهدت القنصليات والسفارات الأجنبية بالمواني والمدن في إقامة الحجر الصحي للسفن والمراكب المشكوك في حملها لمصاب أو مصابين بالوباء حسب مكان ورودها، وإذا لم يجدوا من يساعدهم في هذا القرار من لدن المخزن المغربي كان يحجرون أنفسهم داخل بيوتهم ولا يستهلكون أي شيء اشتروه أو وَرَد إليهم إلا بعد غمسه في الخل.

وهذا ما أوصى به كثير من العقلاء والعلماء والمهتمون بالشأن الطبي والصحي من المتقدمين والمتأخرين كابن الخطيب وابن خلدون… في كتاباتهم ومؤلفاتهم.

ب- التطهير: دعا إليها عدد من علماء الدين والأدباء والمؤرخين، استنادا إلى نصوص شرعية وتوجيهات مستنبطة من تجارب الحياة حيث أثبت أن من الأسباب المؤدية لنشوء الأمراض والأوبئة قلة النظافة أو انعدامها، فكان يتم تطهير البيوت بتبخيرها وإبادة الحشرات والحيوانات الناقلة للوباء، وتنظيف الأفرشة والثياب وكذلك الطعام المدخر خاصة الحبوب التي تستهلكها بكثرة الفئران والجرذان وهي من أهم ناقلات الوباء باتفاق المؤرخين من مختلف الأصول والأجناس، كما اجتهدوا في التخلص من الثياب والأفرشة المشكوك في إصابتها عبر حرقها أو دفنها في التراب.

ج- التدواي والاستشفاء: العلاجات واللقاحات، كان الناس في العصور الوسطى والحديثة يلجؤون إلى علاجات بالأعشاب والوصفات الطبية القديمة وأغلبها لم يكن ذا جدوى وليس له مفعول يذكر، إلى أن اكتشف الأوروبيون والأمريكيون اللقاحات الفعالة التي تقضي على الفيروس المسبب لأغلب الأوبئة مع مطلع القرن العشرين بواسطة المضادات الحيوية أو اللقاحات، وقد أصبحت متاحة لكل البلدان بفضل الأبحاث  والدراسات العلمية المكثفة في الجامعات والمختبرات والمعاهد البحثية، وقد أدخل المستعمر الأجنبي إلى المغرب كل اللقاحات والأدوية المتاحة في بداية القرن العشرين، وبنى المستشفيات والمراكز الصحية القروية وساهم إلى حد كبير في التصدي لتفشي كثير من الأوبئة والأمراض المعدية مثل مرض السل الذي شيد لأجله معزلا كبيرا عبارة عم مستشفى ضخم للأمراض الصدرية سنة 1948 في قرية “عين بن صميم” قرب مدينة إفران، لا زالت أطلاله قائمة لحدود الساعة.

د- الفرار والهِجْرات: رغم أن الشريعة الإسلامية تنهى عن الخروج من الأرض الموبوءة أو الذهاب إليها ([13])، إلا أن بعض الجماعات البشرية المغربية كانت تفر بنفسها قبل وصول الوباء، أو بعد وصوله ظنا منها أن ذلك هو الحل الأمثل، لكن ومع ذلك كان كثير منهم يصاب بالعدوى وينقلها في رحلته لكل من مر عليهم أو التقى بهم أو أراح ركبه بينهم، يقول المشرفي أنه في وباء 1271هـ/1854م “مات في الطريق من الهاربين جمّ غفير وعم الحواضر المغربية وقراها وجل البوادي في شامخات البلاد…”.

خلاصة:

إن هذه المساهمة العلمية ما هي إلا همسة في أذن المواطنين كي يتخذوا مزيدا من الاحتياطات الوقائية للتصدي الجماعي لهذا الوباء الفتاك، فدراسة التاريخ تجعلنا نزداد معرفة وإلماما بالمصاعب والمتاعب التي لاقاه أسلافنا وأجدانا في مواجهة أوبئة وجوائح لم تتركهم على أحسن حال، فقد عانوا من الزيارات الفجائية أو المنتظمة للأوبئة والكوارث تباعا أو بالتناوب فخلّفت فيهم أضرارا وأمراضا وأمواتا ، لكن ربّت فيهم إصرارا على البقاء والاستمرار في العيش والعطاء والصمود في وجه كل النوائب والمحن. فْلنتحلّ نحن أيضا بالصبر والصمود، ولنحتط ولنحذر ونحاذر جميعا في هذه الأيام، أيام هجوم فيروس كورونا (covid-19) على بلادنا وكل بلدان العالم، ولنتسلح بالدعاء والرجاء من الله العلي القديركي يحفظ أمتنا ووطننا وولي أمرنا وكل البشرية جمعاء من هذا الوباء.


([1]) الموتان: صيغة مبالغة على وزن “الفعلان” ويقصد بها ابن خلدون كثرة الموت وهلاك الإنسان وغيره من ذوات الأرواح.

([2]) قال رحمه الله: “وقوع الوباء سببه في الغالب فساد الهواء بكثرة العمران لكثرة ما يخالطه من العفن والرطوبات الفاسدة… فإن كان الفساد قويا وقع المرض في الرئة، وهذه هي الطواعين وأمراضها مخصوصة بالرئة… وسبب كثرة العفن والرطوبات الفاسدة في هذا كله، كثرةُ العمران ووفوره آخر الدولة”(عبد الرحمن بن خلدون، المقدمة، تحقيق درويش الجويدي، المكتبة العصرية، صيدا ـــ بيروت، لبنان، ط 2010، ص 278)

([3]) محمد الأمين البزاز، تاريخ المجاعات والأوبئة بالمغرب في القرنين 18 و19 الميلاديين، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية جامعة محمد الخامس بالرباط، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، ط 1992، ص 69-123.

([4]) عبد الرحمن بن خلدون، المقدمة، مرجع سابق، ص 38.

([5]) مصطفى نشاط، إطلالات على تاريخ المغرب خلال العصر المريني، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية رقم 73 جامعة محمد الأول بوجدة، سلسلة بحوث ودراسات 23، مطبعة شمس وجدة، المغرب، ط 1، 2003، ص 116.

([6]) قتل الطاعون السلطان السعدي القوي أحمد المنصور الذهبي سنة 1012هـ/1603م، وقتل أيضا عددا من أبناء السلطان العلوي مولاي اسماعيل، وقتل السلطان العلوي مولاي هشام بن محمد الثالث وأخاه مولاي الحسين أخوي السلطان المولى سليمان حين اجتاح المغرب طاعون عظيم سنة 1212هـ/1799-1800م، وقتل أيضا عددا كبيرا من العلماء والوزراء وموظفي السلطان زمن حكم المولى سليمان كما أفصح عن دلك القنصل البريطاني في رسالة إلى ملكه سنة 1813م وقال له: “لقد فقد السلطان الكتّاب الذين لهم إلمام بالشؤون الخارجية” (محمد بن منصور، السلطان سليمان ملك لا همة له إلى الملك، موسوعة مذكرات من التراث المغربي، 1984.) كما مات الوزير القوي في زمن المولى عبد العزيز العلوي بوباء التيفوس أو التيفوئيد سنة 1900م.

([7]) برنامج “Le Dessous des cartes” على قناة Arte الفرنسية بثته يوم 23 ماي 2020 بعنوان: “الأوبئة تاريخ طويل” (Épidémies, une longue histoire)، اطُّلع عليه يوم 19/10/2020 على قناة ARTE في موقع يوتيوب رابطه:(https://www.youtube.com/watch?v=LKgOZNC5f6Y)

([8])  لقاح B.C.G: اختصار للعبارة الإنجليزية Bacillus Guerin-Calmette، وبالفرنسية: bilié de Calmette et Guérin، وبالعربية: لقاح “عُصَية كالميت وغيران”، وهما اسما العالمان الذين اخترعاه.

([9]) الحديث رواه أبو الدرداء وأخرجه أبو داود في سننه، والبيهقي في السنن الكبرى، وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود.

([10]) محمد الأمين البزاز، تاريخ الأوبئة والمجاعات بالمغرب، مرجع سابق، ص 396.

([11]) نفسه، ص 389.

([12]) نفسه، ص 390.

([13]) الدليل المشهور على النهي والتحريم هو الحديث الشريف الذي رواه أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رضي الله عنه عنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قَالَ: «إذَا سمِعْتُمْ الطَّاعُونَ بِأَرْضٍ فَلاَ تَدْخُلُوهَا، وَإذَا وقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ فِيهَا فَلاَ تَخْرُجُوا مِنْهَا» (متفقٌ عليهِ).