مولود الشريفة – لا يستقيم أي حديث عن الظلام إلا في غياب تام للنور، لأنهما ﴿ النور والظلام ﴾ يوجدان على طرفي نقيض، ولأن وجود أحدهما يعني غياب الآخر، أو هو نتيجة له. لهذا يتوارى النور متفرغا ما يرضى من الوقت في هكذا تأمل، فيتجلى له أن النور حضور إرادي وجماعي وتفاعلي، متزامن ومتناغم لكل الألوان، يضيء الكون فيعكسه عبر الحواس ليمد العقل بتمثلات لا حصر لها عن الكون المحيط، فينشط العقل ضمن الجسد وفقا لتلك التمثلات، فيكون بذلك في صلب الممارسة الفعلية للحياة.

أما الظلام، فهو غياب تام وجماعي ومتزامن لجميع الألوان، إلا أنه يفتقد كليا لأي وجود إرادي، حيث يكون ذلك مرهونا بمدى حضورية العقل، لكنه يعرض لقوته بتوهم امتلاكه القدرة على بعثرة الأوراق، وعزل العقل عن الكون المحيط، وإرغامه على الاكتفاء بالتمثلات المخزنة التي تكونت خلال لحظات نور سابقة، فيجد العقل نفسه مكرها في حالة ﴿ اجترار﴾ رتيب للماضي، ولا يستطيع التقدم قيد أنملة في هذا الوضع، فيستسلم طكتيكيا للنوم، لكنه سرعان ما يرفض الرضوخ للوضع غير الطبيعي، فينتفض طبيعيا، ويكسر صروح قيم الظلام، ويمحو الحدود الوهمية للحرية التي غالبا ما رسمت بمزاج طبعته العشوائية والارتجالية في هذا الظلام، ويقرر رفع التحدي من أجل افتضاض سوداويته، والاطلاع على حقيقة ما يجري في جوفه، وحيث إنه العقل الذي لا ثبات للضعف أمامه، ينجح في ذلك بشكل تدريجي وسريع، تصاعدي قطعا ﴿strictement monotone﴾، فيحصل لديه الاكتشاف التأكيدي أن التجانس الظاهري الحاصل نتيجة الغياب التام للأبعاد، و″التوحد″ في هيأة حداد، والتخندق المنغلق في عناد، لا يعكس بالضرورة حقيقة الوضع وراء السواد، وأن الظلام غالبا ما يكون مجرد ركن الكواليس وغرفة الماكياج لشخصية طارتوف ﴿Tartuffe﴾، أو الفضاء الذي يحقق فيه ″الأمير″ غايته بفضل كل وسيلة تناسبه، أو إطار لتوظيف الكذب النبيل من طرف حاكم ″الجمهورية″، ليضمن استمرار ″متعته″ فوق عرشه، من خلال إقناع مقنع للآخرين بأن لا سبيل للاجتهاد فيما يدخل ضمن هندسة الإله، بل هو الفرصة الوحيدة لنشاط طيور تخالف طبيعة النوع، فينتج عن هذه المخالفة ما يشبه مسخا يغيب نهائيا عن سلم قيم الجمال، ولا يثير أي اهتمام إلا من حيث إنه آية، أو آيات تقرنه بالظلم اقترانا، وتوثق لغضب العليم على هكذا ازدواجية، وإلا فإن المعاناة تكون أشد وطأ لعدم انشغال العين بأي شيء.

الظلام مرتبط في تمثلات الإنسان بالسواد، بلون اللا لون، ومرتبط بالسالب من الأشياء والأفكار والأزمنة والأمكنة، وبالصمت الرهيب الذي ينذر باحتمال وقوع حدث ما، مجهول ومفاجئ، وقد يكون غادرا ودنيئا، وقد يكون أبعد بكثير عن الصواب مما لو يقع خلال فترات النور، وهو لا يقدم المستقبل إلا مظلما، لذلك فالإنسان يتفهم التردد الحاصل للمغامرة فيه، ويستسلم للخوف من الشر، ويتحسس شر الخوف، فيصبح شريرا يتنامى لديه الخوف من خوف الآخر.

وفي الظلام كذلك، تفقد الأشياء لونيتها ويفقد الإنسان ماهيات القيم وحدودها، ويحدث هناك تجانس غريب يوحي بحركة تمركز (centrifuge﴾ قوية حول الذات، فتتضخم الأنا بشكل مفرط، وتتوهم العظمة في صغارتها، ويشكل السواد قوقعة حقيقية تغلفها، فتصاب بالدرجة القصوى من العمى، كما لو دارت مرة حول الشمس في سجن ″قرى″. هذه الأنا فريدة من نوعها، تماما مثل غيرها. تعشق الحياة، وتمَوّت وتمُوت من أجلها. وتتظاهر بزهد أصفر فيها. لكن رغم ذلك يجب الإقرار للظلام ببعض السحر الفتان، وبجمالية عدم جماله، عندما ترجع كل العدادات إلى وضع الصفر، وفي المنعطف ﴿zone de virage﴾ الذي يصعب فيه تبين البياض من السواد، فمن الجميل أن يقوم العقل بمناولة منهجية للظلام من حيث مظهره، ليتحسس السواد الخالص فيه كما ينطوي عليه، ويواجه كل الحقائق كما هي تجري فيه وراء الستائر، على أن يتركه يعمل بحركته الخاصة به، والتي تضعه في صورته ووسطه وحالته الخرساء، إنه عالم مزدحم بالناس وفي نفس الوقت خال من الناس، عالم غريب يحضر فيه الإنسان بمشروعات تشكل العادة خلفيتها ﴿toile du fond﴾ ويغيب كفكر، عالم يزداد كبرا في الشكل وصغرا في الجوهر، أعمى وصلب وجاف في أعماقه، لا يروقه أن يدع نفسه يختلط بما عداه، ويقتصر على طقوس بتلقائية غريبة ومتحجرة تبقي على الدائرة مغلقة فيما يتعلق بها وحدها.

العقل تمتعه هذه المشاهد، وتهيج فيه المادة الرمادية ويعرف كل ما يتصل بالظلام في أحلك فتراته، ويتمكن بسهولة من اختراقه وتبديده أو توجيهه أو كسر حجاب السواد لديه، لأنه واثق أن ما يجري في الظلام تعتريه شبهات، وأن كل الظلام ضعيف بقدر قوة شعاع نور. فيرتاح العقل وتتبدد لديه مبررات الخوف طالما يمسك بزمام القوة ولسان حاله يردد مع الشابي: النُّور في قلبي وبينَ جوانحي ♣ فَعَلامَ أخشى السَّيرَ في الظلماءِ.

ولكم وللعالم السلام.