يقول الشاعر الإسباني أنطونيو ماشادو: Il n’y a pas de chemin, le chemin se fait en marchant. وفي واقع الأمر لا يوجد هناك طريق معد سلفا يطلب من الإنسان أن يسلكه، بل هناك فقط الطريق الذي ترسمه آثار قدميه، أي أن الإنسان طوال حياته يوجد في وضع العمل المستمر على شق عدد لا يحصى من الطرق والمسالك والسبل، قد يكون عارفا بمآلاتها حسب إملاءات العقل القائد لديه، كما قد يكون جاهلا تماما بذلك، وعندما يكون آخذا في شق طريق ما، فهو يعلم بالطبيعة أن الآخرين كذلك يفكرون مثله، فيكبر عدد السائرين في نفس الدرب، وتتعدد الدروب، فينمو لديه تارة الإحساس بالضيق بسبب الازدحام والتدافع، وتارة أخرى الإحساس بالمؤانسة الناتج عن تبلور الضمير الجمعي للوجود المتعدد، وربما شيء من الإحساس بالخوف يكون في غالبيته غير مبرر، وفي الحالتين معا تبرز الحاجة الماسة إلى من يوجد في المقدمة، ذلك لأن التواجد الجمعي في الطريق يقتضي التموضع في اصطفافات محددة ومتعددة، يحكمها نظام تغيب معه كل محاذير الفوضى.

وعندما يكون الإنسان بصدد شق طريق ما، فهو بالضرورة يتقدم إلى الأمام من خلال حركة تحكمها قوة الماضي الدافعة وقوة المستقبل الساحبة، فتتحدد سرعته في الحاضر وفقا لتفاعل تلك القوتين، وهو حين يتقدم يرغم شيئا ما على التراجع إلى الخلف، ذاك الشيء الذي يشكل بالنسبة إليه قوة معاكسة لتقدمه، تؤثر سلبا على سرعته، لكن ذلك التأثير قد يضعف بقدر قوة إرادة الإنسان، لذلك فهو في كل لحظة من لحظات تقدمه يستجدي فكره لكي يبدد الضباب والظلام من أمامه، ويبسط الأمن ويضمن وضوح الرؤية في الفضاء الذي يحتضنه، لكي يمده بما يلزم من أجل التأقلم مع كل أشكال تضاريس الواقع المحتملة، والتي يجد نفسه مرغما بغرابة على المرور بها كلها.

إن المآل الحقيقي للطريق الذي يرسمه الإنسان غير معروف حقيقة، لذلك فهو مصاب بدوخة مزمنة ملازمة له تجعله في حيرة دائمة من أمره، عبر عنها إليا أبو ماضي بشعر فلسفي جميل في “الطلاسم”، لكن هذه الحيرة في حد ذاتها هي الوقود الذي ينقل جوهر الإنسان من حالة السكون إلى حالة الحركة من خلال التمادي الشره في التساؤل التوليدي، والأجوبة المقترحة عن تلك الأسئلة يكون لها طابع نسبي مرتبط بمدى المستوى الفكري للإنسان، والتمثلات الحاصلة لديه عن الواقع، لكنها هي التي تجسد عملية شق الطريق والتقدم إلى الأمام، والنسبية المميزة لكل الأجوبة تحتم على الإنسان القيام بإصلاحات ذاتية (Edgar Morin, La voie) جزئية جذرية مستمرة شاملة لكل زوايا اهتماماته من خلال المبادرات الخلاقة الفردية والجماعية والتي تشكل منفردة مسالك صغيرة تنتشر على شكل روافد تصب مجتمعة ومتحدة ومتكاملة في مستوى جوهري، لتتفاعل وتتراص وتتصلب ثم تفيض ليتحقق الإصلاح الأعظم الذي وحده يضمن وضوح الرؤية إلى أبعد مدى ممكن، وتسمح بتحديد أهداف قابلة للتحقيق بحكم وجودها في حقل وضوح الرؤية، ذلك أن الإصلاحات الذاتية هي وحدها التي تشكل الخطوة الأولى على طريق إصلاح كل البنيات الاجتماعية والاقتصادية وأنماط العيش وغيرها من تمظهرات الاجتماع الإنساني. فتنتقل عملية شق الطريق من وضعية القتامة البادية في الاكتفاء بـ “معالم في الطريق” إلى وضعية الوجود العاقل والواقعي الذي يقدر لكل الإنسان إسهاماته المتراكمة في سبيل التقدم إلى الأمام بخطى لا تهم سرعتها بقدر ما يهم ثباتها وتوازنها، والتطلع الدائم إلى مستوى أعلى من تحقيق الرغبة الجارفة للاستمرار في بالحياة.

إن تعلق الإنسان بالحياة وانبهاره بها وفيها يقابله الكون بعروضه المتجددة والتي لا تنضب من فرص الاكتشاف، فيتصرف العقل بالشكل الذي يضمن تحقيق الانتشاء الدائم بين الإنسان والكون من خلال توفير كل الظروف المناسبة لشق الطريق إلى ذلك. وتبقى درجة الانتشاء متناسبة مع درجة العاقلية في عمليات شق الطريق، ومع مدى اتساع حقل الرؤية، وتواري الظلام، ومتناسبة عكسيا مع مدى عمق الجروح التي يخلفها الشق في محيى الأرض والكون.

ولكم وللعالم السلام.