يمكن تعريف الممارسة الجمعوية بكونها تنبثق من العمل اليومي داخل منظمات جمعوية ذات توجهات اقتصادية اجتماعية وثقافية لا يقصد من وراء مزاولتها تحقيق الربح وإنما المساهمة إلى جانب الهيئات الرسمية في رسم معالم التنمية ، وبالفعل فقد استطاعت المنظمات الجمعوية تحقيق مكاسب مهمة انعكست ايجابا على الدورة التنموية لمجموعة من الدول ، الأمر الذي يمكننا أن نستفيد من خلاله بأن الأنشطة اليومية لهاته الجمعيات قد استطاعت أن تساهم في تأطير ومن ثمة إفراز نخب وكفاءات استطاعت أن تساهم في تدبير الشؤون اليومية للمواطنين ومن ثمة التعبير عنها في قالب واقعي قوامه القرب من المواطن .

تعد المنظمات الحزبية كذلك بمثابة الدينامو المعول عليه في تحريك عجلة التنمية بشقيها الاقتصادي والاجتماعي ، وذلك من خلال قيامها بعملية التأطير الموكلة إليها بنص الدستور والكفيلة بالتعبير المباشر وغير المباشر عن انشغالات المواطنين وذلك بقيامها بتسطير برامج انتخابية كفيلة بملامسة الواقع والآفاق التنموية من جهة ، وبتكوين خلف لخير سلف قادر على اقتحام ساحة الوغى السياسية والمساهمة في بناء دولة الحاضر والمستقبل مع احترام خصوصيات الماضي.

لعل المتأمل في ثنايا هذا المقال قد يتساءل عن جدوى إقحام الكاتب لمنظومة الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني ، الأمر الذي يمكننا تفسيره وكما لا يخفى على أحد بالتداخل بين اختصاصات كل من المنظمتين هذا مع اختلاف النصوص القانونية المنظمة والمحددة لمجال تدخل كل منهما.

قد يعتقد البعض أن الكاتب يتحامل أو يبالغ في توصيف أدوار كلا المنظمتين، غير أن ممارستي الشخصية وانخراطي المباشر والمتواضع في دواليب كلتا المنظمتين قد مكنني من الوصول إلى هذه الحقيقة التي قد تزعج البعض ، والمتمثلة في جنوح بعض ساسة الأحزاب السياسية إلى تدوير عجلة بعض منظمات المجتمع المدني من أجل تحقيق مآربهم الانتخابية الصرفة والتي يمكن للجميع أن يشاطر الكاتب في رأيه في أن نفس الوجوه الانتخابية هم نفس الأشخاص الذي يديرون منظمات جمعوية ويساهمون بذلك في حشد أصوات من يستفيدون من الدعم المباشر أو غير المباشر المناسباتي في جله ، الأمر الذي أعتبره حملات انتخابية سابقة لأوانها خارجة على نطاق القانون.

إن اختيار عنوان هذا المقال قد تبادر إلى ذهن الكاتب من خلال ما لاحظته في هذه الأيام الأخيرة من عمل جد مكثف للأنشطة الجمعوية وخاصة داخل الأحياء الهامشية ، الأمر الذي لم أتعود عليه سالفا ، مما طرح لذي فضولا كبيرا للتطرق للأسباب الكامنة وراء ارتفاع هذه الوثيرة ، التي كان وراءها كائنات انتخابية لا يمكن لذهني أن يخطئهم ، الأمر الذي أحالني مباشرة إلى محاولة الوقوف عند بعض الأسباب الكامنة وراء تعاظم هذه الظاهرة المشينة والتي نذكر من بينها على سبيل المثال لا الحصر:

ضعف فهم المواطن لفحوى النصوص القانونية المنظمة لكلتا المنظمتين، الأمر الذي لا يمكنه من التمييز بين دوريهما، ومن ثمة ينخرط عن جهل في خدمة أجندات سياسية صرفة تتعارض والنصوص القانونية لكل من الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني؛

عدم فهم بعض مسيري مكاتب منظمات المجتمع المدني لمجالات ومن ثمة حدود تدخل جمعياتهم ، الأمر الذي نفسره بعدم استيعابهم للضوابط القانونية المنظمة لمجالات تدخل المجتمع المدني ، مما لازال يساهم في تضييع فرص كانت ستعود حتما بالنفع على مستوى التنمية الوطنية والترابية؛

تحكم بعض المنتخبين في مصادر تمويل الجمعيات، الأمر الذي جعل البعض منها بمثابة ملحقات حزبية تنشط أيام الذروة الانتخابية، الأمر الذي يدعونا إلى مساءلة كل من تسول له نفسه توجيه الدعم المقدم لمنظمات المجتمع المدني من أجل خدمة أهدافه الانتخابية الصرفة الخ..

إن التطرق لذكر بعض السلبيات التي لازالت تعصف على مسألة رسم الحدود بين مجالات تدخل كل من الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني لنعتبره من وجهة نظرنا تجاوزا خطيرا لصلاحيات المؤسستين المحددة بنص القانون المنبثق عن الوثيقة الدستورية ، ومن هذا المنطلق ولتجاوز العواقب الوخيمة لهذه الظاهرة وجب القول بأنه ومع اقتراب الاستحقاقات الترابية وبعدها التشريعية التصدي وبحزم لكل من تسول له نفسه القيام بالتحايل على الأنشطة الجمعوية ذات الصبغة المدنية الصرفة والقيام بتوظيفها من أجل خدمة نزواته الانتخابية المحضة والتي لا تعبر في عمقها إلا على استمرار تجسيد مشهد شخصنة الواقع الانتخابي الذي لازال سائدا في مجموعة من الجهات وخاصة القرى والمداشر، أمر لا يخفى على أحد غير أن المستفيدين منه من قبيل سماسرة الانتخابات الذين أصبحوا يشكلون أحزمة بؤس لازالت تؤثر سلبا على تطوير آليات اشتغال المدني والسياسي، مما لازال يضيع تحقيق نتائج كانت ستعود لا محالة بالنفع على مسار التنمية الاقتصادية ، الاجتماعية والثقافية المغربية.

إن تعاطي الكاتب لدراية وتحليل مثل هذه المواضيع وبالرغم من كونها يمكن أن لا تحضى بقبول البعض، لتنم عن قناعتي الراسخة بأن التغيير الايجابي لا يمكن أن يتولد إلا من خلال قيامنا بالنقد الذاتي لواقعنا المعاش والمرهون بتمحيص ومن ثمة دراسة كل الوقائع المحيطة بنا في شقيها الايجابي والسلبي وبالتالي وضعها في قالب تحليلي قوامه الجرأة والقبول بالرأي والرأي الأخر.

إنه ومع الجرأة السياسية التي نهجها المغرب من خلال وضعه لدستور جديد يقوم على مبدأي المساءلة والمحاسبة، ومن خلال اعترافه للمجتمع المدني بأدوار جديدة ستمكنه وإن أحسن التعامل معها من رسم حدود جديدة بين السياسي والمدني ، حدود قوامها العمل من أجل مواصلة بناء مغرب الأوراش التنموية الكبرى، ولكن بشرط احترام مبدأ التخصص والقول جميع بأن الوقت قد حان للتخلص من براثين التدبير التقليدي لمسارنا التنموي، الأمر الذي لا يمكننا بلوغه من وجهة نظري إلا من خلال تفعيل وسائل مراقبة وتتبع مسار كلا التنظيمين بشكل لا يعني ممارسة الوصاية وإنما خدمة الصالح العام.