مولود شريفة – لم يكن الحديث عن الحرية ممكنا في زمن آدم، إذا افترضنا أنه كان هو أول إنسان على الأرض، فهو لم يكن يمتلك أي تمثل للحرية ولا عنها؛ بل لم يكن في حاجة إليها أصلا، لأنه كان يمتلك الكون كله لوحده، ولم يكن هناك من ينازعه في ملكيته له، أو ربما لم يكن في تمثلاته شيء عن الامتلاك، لكن رغم ذلك فقد كان بلا شك يحس بقوى طبيعية خارجية تحول دون تحقيقه لبعض من رغباته التي كانت تفوق القدرات المرتبطة بطبيعته الإنسانية؛ وربما بدأت النواة الأولى لتمثل الحرية تأخذ في التشكل عندما أصبحا اثنين (إلى جانب حواء) مرتبطين في إطار علاقة اجتماعية محددة ملزمة طبيعيا للطرفين، بحيث أصبح وجود أحدهما إلى جانب الآخر يقتضي الأخذ بالاعتبار هذا الآخر، ومنه معرفة الذات من خلاله، وضبطها والتحكم فيها والسيطرة عليها بما يجعل البقاء ممكنا من خلال التعايش ومن خلاله وحده. هذه الحاجة الحيوية إلى التعايش تولد عنها بالضرورة التوجه الطبيعي نحو التحديد التلقائي لمعالم الإطار الذي يسمح بإمكانيات الحياة الحرة ضمن حتمية الاجتماع، وهنا بالضبط توافرت الظروف لعناصر عديدة في التجميع والتفاعل والتراص والتكاثف ليظهر إلى الوجود الجوهر المميز للـ “أنا” في مقابل الـ”أنا” الآخر، وهنا كذلك سجل الانطلاق الفعلي والمتزامن للمتوازيين الحاملين للحق والواجب، أي الانتقال السريع إلى حالة التملك الذي يغلف جوهر الأنا.

لأن الرغبة الكبيرة في التملك شيء فطري يشترك فيه الجميع، لكن الحرية هي الشيء الوحيد الذي تركت الطبيعة الناس بلا قوة على الرغبة فيها، مع أنها هي الخير الأعظم والأطيب الذي لا يقتضي نواله إلا الرغبة فيه، والذي إذا غاب تحل محله الأزمات. لكن وبشكل مفاجئ انتاب الإنسان إحساس متناقض وغريب، فقد بدا من جهة خائفا من الحرية لكونه أصبح ميالا إلى التخلي الطوعي عن قوته التي تضمنها له مكتسباته، وتفويضها إلى الآخر، ومن جهة أخرى بدا خائفا من فقدان الحرية لكونه يسيء استعمال تلك السلطة/القوة الطبيعية، فوجد نفسه في وضع وكأنه يريد أن يبقى دائما أبا وابنا في نفس الوقت، أي مالكا للسلطة وهو في حاجة إليها في آن واحد؛ فبرز هناك توجه عند الإنسان بحيث لم تعد له ألفة بالعبودية ولا ولع بالحرية، ولا هو يعلم حقيقة هذه ولا تلك.

صحيح أن الإنسان يزعم باستمرار رغبته في الحرية، وهو عن حسن نية يريد فعلا التفكير فيها وتعريفها وتنزيلها، ويعلن صراحة عن ذلك، ويناضل من أجل تحرير العبيد مثلا، ويجعل من الحرية قيمته الأسمى، ويعتبر أن الحرمان منها هو عقاب لا يطاق؛ لكن في المقابل يرتكب فظاعات باسمها، ويضيق حاله من مدى حرية الآخر، فالتبست عليه الأمور، وداخ من هول اتساع مجالها، وتشعب ماهياتها، فأصبحت الحرية في حد ذاتها صعبة، مرعبة، مغامرة غير محسوبة العواقب، صراعا مستمرا مع انسياب الزمن، غير مضمونة وغير آمنة بحيث تتكاثر حول الإنسان في كل لحظة تربصات ومحاولات سلبها منه، هذا ما جعله دائم الاحتراس، قليل فرص الراحة؛ مما يبيح الاستنتاج أن المطلوب حقيقة ليس هو الحرية في حد ذاتها بل الإيجابيات التي يضمنها استقلال الأنا، دون الخضوع إلى إكراهات الحرية وقساوتها، فتبقى الحرية وحدها هي ما لا يرغب الإنسان فيه صراحة، لا لسبب على ما يبدو إلا لأنه لو رغب فيها لنالها، ولو نالها لما سلم من قسوتها وإكراهاتها، حتى كأن الإنسان يرفض هذا المكسب الجميل لفرط جمعه بين السهولة والقسوة، لكنه عندما يتكلم عن الحرية فهو يريد حقيقة الانعتاق الجاهز والمطلق من التبعية، والتمكن من تحقيق أحلامه مثل الأمن الشامل والرفاهية في جميع المجالات، ثم ألا يكون واجبا عليه أخذ زمام حياته بيده وتحمل مسؤوليته في ذلك؛ إنه بكل وضوح يتهرب من أن يكون حرا.

إن الطابع الملتبس الذي يسم علاقة الإنسان المعاصر بالحرية نابع بالأساس من الفشل في التوفيق بين الحق والواجب من جهة والحرية من جهة أخرى، هذا الوضع غير الطبيعي فوت علية التقدير الحقيقي لقيمة الحياة التي تعطيه ما يريد بقدر ما تطلب منه أن يكون في كنف المجتمع، ولعل في القصة التالية تبيان لذلك: يحكى أن Lycurgue صانع شرائع اسبرطة قام بتربية كلبين اثنين خرجا من نفس البطن ورضعا من الثدي نفسه، فجعل أحدهما يعيش وسط المطابخ فيما ترك الثاني يجري في الحقول وراء طرائد الصيد، ولما أراد أن يبين للسكان أن الإنسان هو صنيع تربيته، جاء بالكلبين وسط الحشود ووضع أمامهما إناء حساء وأرنبا، فإذا بالأول يتجه مباشرة إلى الحساء والثاني ينطلق في الجري وراء الأرنب، هكذا نجح Lycurgue في أن ينشئ السكان تنشئة جعلت كلا منهم يفضل الموت ألف مرة على أن يختار غير العقل والقانون، أو يستخدم اسم الحرية المقدس مع اعوجاج في القصد.

ولكم وللعالم السلام.

[email protected]