إن التقدم الباهر والسريع الذي يعرفه العقل الإنساني الآن يبرهن  علميا وفكريا بما يجعل هامش الشك يؤول إلى الصفر بأننا جميعا، مهما اختلفنا في الزمان والمكان، نتقاسم أشياء خيرة كثيرة تجمعنا، نشترك في واقعيتنا، ونتأمل العلل والغايات، فيكون ذلك وقود تعقلنا في  تلمس جمالية الحياة، والانجذاب نحوها ونفي العدمية المقيتة.

تحضر العدمية عندما تغيب القيم التي تميز الإنسان، ويغيب كل ما يعطي معنى لهذه القيم بكل أبعادها الوطنية والدينية والفردية والجماعية والكونية، وتسود العدمية ليس فقط عندما يغيب الخير ويسود الشر، بل عندما يتبادل الشر والخير أدوارهما، ويتم مثلا التطبيع مع الجريمة لتصبح حدثا مألوفا، أو فرجة تثير الدهشة،   ويتحول فيها المجرم إلى بطل، فتنخفض قيمة القيم العليا إلى الحضيض، وتظهر أفكار عدمية تشكل الخلايا الجنينية للتوجه العدمي الذي تفتقد فيه الحياة لأي معنى أو هدف محتمل، ويتم الاعتقاد بالانفراد باكتساب حقيقة اللا حقيقة بشكل متعصب، ويتم تجريم كل المخالفين من خلال اللجوء إلى المستوى المنحط في القيم وإلى القوة في شكلها الضعيف (العنف غير المبرر)، فيتحول الفرد إلى كائن من أجل الموت، ناسيا أو متناسيا أنه كائن قائم بذاته  لا يمكن تصور أية إمكانية للحياة خارج الواقع الاجتماعي، فيتم تأويل الإديولوجيات عن الواقع، ويظهر الشغف الحماسي والاندفاعي  المبالغ فيه، بغض النظر عما قد ينتج عن ذلك من آلام ومعاناة وبؤس، واستغلال مفرط وعشوائي تنمو معه نظرة قاتمة عن العالم والوجود، ويظهر الانبهار بميكانيكية الحرب، ويتراكم التطرف الديني والفكري الذي يرى بضرورة خضوع الواقع للإديولوجيات المختلفة والمتناقضة في بعض الأحيان.

الإنسان العدمي ينظر إلى الواقع بنظارات سوداء، فيرى الأشياء والكائنات أشباحا مخيفة، ويجد نفسه دائما مكبلا بالإنجازات العلمية التي هي من صنع عقل الإنسان نفسه، بحيث يعجز عن الاقتناع بلا محدودية قدرات عقله، وبحتمية نجاحه في التغلب التدريجي والمتصاعد إلى اللا نهاية على العالم الطبيعي وتسخيره لصالحه، فيفقد الثقة في الآخر ويرى أنه ضحية لمكره وخداعه، لأن هذا الآخر في نظره يمارس عليه دكتاتورية مقنعة، ويفرض عليه عبودية إرادية من خلال إغراقه في حياة استهلاكية مبهرة تجعله مع مرور الوقت ومع فرط الاستهلاك شريكا في إنتاج التعاسة والبؤس.

العدمية تقتل الآلهة كلها، وتعدم القيم والتقاليد والأعراف، وتتنكر للحاجة إلى الاجتماع، وتجمد العقل والفن، وتجهض الأفكار قبل اكتمالها، وتبخس السياسة، وتغتال الأنظمة، وتحرق القوانين، وتحتار أمام العلل، وتتشيع للانعزال، وتختزل الوجود في مجرد رموز وهمية من أجل الانتساب إلى تراجيديا كونية مستدامة؛ لذلك فهي عندما تعبر عن نفسها لا تتلمس لها منطقا، ولا مشروعا، لأنها في حالة شرود دائم، لا قوة تجذبها أو تدفعها، لا منشأ لها ولا غاية، تمشي في ظلام بلا دليل ولا بوصلة، لا تعرف هل تتقدم أو تتأخر، عاجزة عن تحديد متجهة موجهة لحركتها، والحقيقة عندها مجرد رأي والواقع مجهول تماما، لا مطالب معقولة ولا انتظارات ولا أمل لديها، أفقها مكفهر ورؤيتها محدودة وفضاؤها بلا نور، بساتينها لا أزهار بها وأرضها قحط ونباتها شائك، مراهق فكرها، تصر على المغامرة وهي تعلم بحتمية خسارة الرهان، تعيش الواقع لكن ترفضه، تحمل في دواخلها كل عناصر التناقض التي تنتج عقدا معقدة تثير الشقفة، فلها خالص الدعاء بالعفو.

ولكم وللعالم السلام.