يوسف سالك

(طالب باحث بسلك الماستر المتخصص المناهج اللغوية والأدبية لتدريس اللغة العربية)

المدرسة العليا للأساتذة بمكناس

تبقى القراءة أهم مفتاح لتراكم المعارف وتقدم الأمم وبدونها لكان من حظ هذه الأخيرة الضمار والأفول، إنها أداة معرفية لها دور حيوي في استحواذ المعرفة وتبادلها، وتطوير قدرات الفرد ومهاراته، ودعم جهود الابتكار والإبداع والتطوير، حتى وإن كانت القراءة في وقتنا الراهن قد اعتزلت التمثيل في صفوف العديدين. ومعلوم أن القارئ العربي بما في ذلك المغربي قل ما يتردد على عتبات الكتب بشتى مجالاته، ولعل ما يثمن القول السائد “أمة إقرأ لا تقرأ”.، ونتساءل وإياكم؛ ما السبب وراء هذا القول؟، إن الإجابة عنه تتطلب الكثير من التنقيب لإثبات صحته، إلا أن الواقع وإن كان لا يملك فما ليتكلم إلا أنه يحمل إيحاءات ودلالات لا متناهية تنطق بالواقع المرير.

لقد كانت الأمية فيما مضى تعني المرء الذي لا يعرف القراءة والكتابة أما اليوم فأضحت تعني الذي لا يتقن إلا لغة واحدة والذي لا يحسن استعمال الحامل الرقمي بشتى أصنافه وأشكاله وما وصلت إليه التكنولوجيا من تطورات رقمية. وحديثنا عن الأمية له ارتباط وطيد بالقراءة ما تحتويه من تقنيات وعمليات خاصة، وإذا كانت المكتبات تقام للدراسة والقراءة وأخذ الكتب من الرفوف ومصاحبتها لأجل النهوض بالوعي القرائي والفكر والوعي الاجتماعي بغية بناء مواطن صالح لمجتمع صالح، فما أهميتها إن كان الإقبال عنها قليل إلا في أيام الدراسة، حتى وإن كانت هذه الأخيرة يأتيها التلميذ والطالب من أجل التحضير للفروض والامتحانات لا غير، هذه هي ثقافتنا نحن العرب عموما والمغاربة خصوصا، أي العلم من أجل النجاح فقط والنجاح من أجل الوظيفة، إنها سمفونية  تعود عليها الإنسان العربي من نعومة أظافره. ولا نستثني جرسيف من كل هذا، فعلى سبيل المثال عنذما ألج إلى دار الثقافة أو المكتبة البلدية وإن كانتا تفتقران نوعا ما إلى الكتب، إنهما المجالان الذان يعرفان إقبالا على الكتاب في المدينة ولو نسبيا، وفي جميع الحالات يبقى المقرر الدراسي هو الحكم، فناذرا ما أجد قارئا يحمل رواية أو مجموعة قصصية أو كتابا نقديا أو علميا أو كيفما كان مجاله من أجل المعرفة فقط، قارئ يكون عنوانه العلم من أجل العلم، لا لأجل شيء آخر.

ولعل السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: أين الذات الواعية؟ أين الفكر الواعي؟ أين القارئ المغربي؟ ما السبب؟، حتما ستكون الإجابة على أن عزوف القارئ اليوم عن القراءة راجع إلى مشاهدة التلفاز وما يحوم حوله من فضائيات هذا من جانب، ومن جانب آخر نجد الإقبال منقطع النظير على شاشات الإنترنيت والهواتف الذكية وعلى مختلف مواقع التواصل الاجتماعي المعروفة. ولا ننس الدور الذي تلعبه المدرسة في هذا الصدد في حفز المتعلم على القراءة وتنمية معارفه وقدراته الفكرية والنفسية.

لكني أتساءل أيضا لما لا أجد مجموعة من المثقفين شباب يكون همهم هو اللقاء من أجل العلم والمعرفة وتبادل التجارب والنهوض بالقارئ الجرسيفي؟، وهو الأمر الذي أجده في بعض المدن المغربية كتازة وفاس ومكناس والرباط والدار البيضاء وطنجة وتطوان وأكادير وغيرها من المدن سواء تحت لواء “سحر الكتب” أو “القراء”، وشخصيا كان لي حظ الانضمام إلى فرع تازة فيما سبق والآن أنا مع فرع مكناس، وهذه المجموعات تقوم حول الفكرة أساس وهو شعارها “بالقراءة نحيا… فلنحيا”، نلتقي في مكان محدد مع مثقفين من شتى التخصصات والاهتمامات، طلبة إجازة وطلبة باحثين من الماستر والدكتوراه وأساتذة ومفكرين وعمال وكل مهتم بالكتاب ويسعى لتحقيق الشعار السالف الذكر. لقد تمنيت أن يكون فرع لهذه المجموعات بجرسيف لكن القارئ الجرسيفي غير موجود، لا أدري بأي عالم هو؟.

لست ألوم أي أحد، وإنما أسطر هذه الأسطر من أجل النهوض بالقارئ المغربي عامة والجرسيفي خاصة، على أن نكون مثقفين همهم وشعارهم الوحيد “العلم من أجل العلم، والمعرفة من أجل المعرفة”. وأدعو كل الأطر والجمعيات وكل مهتم ومن له غيرة عن هذا إلى إقامة حملات توعية وتحسيسية لتطوير القارئ الجرسيفي بشكل أو بآخر للدفع بعجلة الفكر والوعي الجرسيفي إلى الأمام. وبالقراءة نحيا… فلنحيا.