حسب قانون الطبيعة، القوي دائما هو صاحب الغلبة، وهو الحاصل عليها بمحض إرادته وعن سبق الإصرار والترصد، وهو الماسك وحده تمام المسك بكل مفاتيح السيطرة التامة على الثروات الطبيعة الكونية؛ وهو يعرف أنه الغالب المطلق، ويعي كذلك أن الآخرين من الضعفاء يعرفون أنه ينفرد بهذه الغلبة، وأنهم غير قادرين أبدا على منازعته إياها لأنه قادر على أن يوليها الحماية اللازمة، ويعمل على أن يبقى دائما في موقع القوة من خلال التمكن من كل الظروف التي تجعلهم ضعفاء يزدادون ضعفا باستمرار، من حيث أنه يعلم علم اليقين أن قوته تكمن في بقائهم في حالة ضعف أبدي. هذا الوضع جعل من القوة بكل أشكالها وفي كل تجلياتها، الوسيلة الوحيدة للاستفراد بالتحكم في كل مساحات الضعف، وتحويلها من مناطق قاتمة مثيرة للمشاكل إلى مصادر لا تنضب لوقود القوة، والقوة هي التي تمكن من الامتلاك الكامل لكل الرساميل المادية وغير المادية المتوفرة في الطبيعة، والاعتماد على العقل وعليه وحده لبلوغ أعلى درجات الانتشاء الناتج عن الامتلاك الكامل لهذه الثروات، فيكون الإنسان بهذا قد حصل على نمط حياة مميز، حياة القوة والتقدم والرفاه، والأمن بكل أبعاده والتمكن من المصير، توازيه نفسية خاصة تنبني على وضع  اجتماعي مريح جدا.

فمنذ أن تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من التاريخ، تناول الفكر الإنساني كل أشكال وتجليات الوجود، وفهم أن الأمور لا تأخذ إلا غلابا، ولا تتحقق الغلبة إلا بالعقل، وحسم مواقفه في كل القضايا الماثلة أمامه، وأرجأ الأخرى المحتملة إلى العقل وحده، وأن التمكن من الغلبة غير متاح للجميع بنفس المستوى، ثم قرر قرارا لا رجعة فيه أن يختط لنفسه صراطا مستقيما مباشرا نحو القمة، فتمكن من ذلك فعلا، واستقر على عرش الكون في وضع ييسر له مراقبة كل العالم من خلاله، وأرسى نوادي الأقوياء المتنورين الأذكياء، الذين يقدرون العقل حق قدره، ويعترفون بلا نهائية قدراته، والذين لا يستوون أبدا مع من لا علوم لهم، ثم أحاط تلك النوادي بأسيجة الأمن اللازمة، وأمسك بالقبضة الفولاذية على كل مفاتح خزائن الأرض والسماء، واشترط العقل في إمكانيات الانخراط، وأوصد الأبواب، وانتهى التاريخ.

ومن أجل دوام الحال، يعمل الأقوياء بلا توقف على توسيع الهوة مع الضعفاء المثيرين للقلق إلى أقصاها، من خلال التحكم المباشر أو المستتر في الأنظمة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والدينية، والتربوية والعلمية، والتمكن من تشريط العقل الضعيف وتجريده من آليات النشاط السليم، وقولبته في أوضاع مأزقية جامدة عقيمة، يستحيل معها الخروج من حالة البؤس الشديد المستدام.

وبفضل التقدم الهائل والسريع الذي أحرزه الإنسان القوي على مستوى التواصل والإعلام في منعرج المرور بين القرنين 20 و 21، والموازي للتقدم في كل المجالات الأخرى، فقد سهل عليه اختراق العالم الضعيف، وتفكيك بنياته التقليدية المتحجرة، وهدم صروحه الأخلاقية من أساسها، والتمكن من إحكام قبضته النهائية عليه من خلال إغراقه في حضارة الاستهلاك والانبهار واللهو، وتكريس الأمية لديه، وما يرتبط بها بالضرورة من التخريف والدجل والرجعية والتطرف، وتحويله إلى مجرد تابع ذليل، وعامل رخيص، جاهل بحقوقه أو متنازل كرها عنها.

هذه القفزة التكنولوجية النوعية الهائلة والسريعة التي حققها الإنسان القوي بفضل صناعات الكمبيوتر والأقمار الاصطناعية والأنترنت، تمكنه من الربط الكوني الحي عبر شبكة واسعة جدا تغطي كل الكوكب، وتمكنه من المراقبة الدقيقة واللصيقة للأفراد والجماعات والشعوب، وإمطارهم بوابل من المنتوجات التكنولوجية الدقيقة ذات الطابع الترفيهي الاستهلاكي المحض، مع الحرص على عدم السماح لهم بولوج العلوم المرتبطة بذلك، والاقتصار على إمدادهم بكيفيات الاستعمال الميسرة من أجل أن يصاب الإنسان الضعيف بصدمة الانبهار والدهشة، ثم إرغامه على التعامل مع الأقوياء عبر ثقوب صغيرة من وراء أبواب النوادي، وجعله في وضعية الحاجة الماسة إلى ديون لا تعطى له إلا وفق إملاءات بنوك هي في ملك الأقوياء بالشكل الذي يصعب معه تسديدها، ومن ثم الاختراق المباشر عبر فرض إصلاحات وتقويمات في القطاعات الحساسة ذات الصلة الوطيدة بالشخصية السيادية للضعيف، مثل التربية والثقافة والاقتصاد، كما يتم تعداد كل نقاط الضعف وتوظيفها في إذكاء الاحتجاجات والصراعات الداخلية والخارجية تؤدي بالضعفاء إلى التهافت على خردة التكنولوجيا المدنية والعسكرية، لتتحدد طبيعة العلاقة بين الأقوياء والضعفاء تماما كما تناولها J. de LA FONTAINE  في “Le loup et l’agneau” ؛

الأقوياء المتنورون الأذكياء لا يؤمنون بدورانية التاريخ، ولا بـ “لكل شيء إذا ما تم نقصان ….”، بل هم واثقون من قوتهم، ومن تناسب نمط حياتهم مع مدى قوتهم، ويعرفون أيضا أن الضعفاء رغم رضوخهم وتبعيتهم الظاهرية، يكنون لهم عداء دفينا، ويتربصون الفرص للانقضاض عليهم؛ فيتصرف الأقوياء بما يجعلهم أولا هم الأقوياء وليس غيرهم، وثانيا أن تكون تلك القوة تصاعدية إلى اللانهاية.

فلا سبيل للاستمرار في الوجود الكريم إلا من خلال تقفي أثر القوة والأخذ بأسبابها والانضمام إلى نوادي الأقوياء، وذلك بالرجوع الكلي إلى العقل وإليه وحده، والقطع مع التخريف والدجل واللا عقل في كل المقاربات الكونية.

ولكم وللعالم السلام.