المثقف هو المتجهة الموجهة في المجتمع الوطني والكوني، وهي تجميع مركز لكل باقي المتجهات في الفضاء اللامتناهي لكل الإمكانات، فتكون بذلك وتيرة التقدم متناسبة تماما مع مستوى الزئبق الثقافي  لهذا المجتمع؛ لن يكون مجديا البحث عن تعريف متفق عليه للثقافة، أو تحديد من هو المثقف، بقدر ما هو أجدى من النظر في أثر تواجده في الأرض والماء والهواء، ذلك أنه كلما كانت هناك محاولة لتعريف الثقافة نجدها تبتعد وكأنها تريد تعريف نفسها من خلال هذا الابتعاد، لنتركها إذن وشأنها طالما هناك الاستفادة التامة من خلال أثر هذا الابتعاد. لكن يمكن الاستئناس منهجيا بمقاربة مفهوم المثقف من خلال النظر في نقيضه، ولذلك ستتضح الرؤية أكثر باستحضار مشاهد الهمجية التي تغشى حاليا بؤر التوتر في العالم، أو جاءت على لسان التاريخ، والتي توضح بالملموس تصاعد التصدعات الاجتماعية على حساب تراجع المؤشر الثقافي.

لا نختلف في أن المثقف لا يأتي من الماضي ولا من المستقبل، إنه يحيى فعليا الحاضر الذي هو البعد الزمني الواقعي الوحيد، أو ربما يأتي منهما معا في آن واحد، فتكون له بذلك زاوية الرؤية للواقع ترقى لأن تشمل عمقا فيما مضى وامتدادا لما لم يحن بعد، فيتحسس نبض المجتمع الكوني ويرى بوضوح القوى التي تعتمل في التوازنات، والاختلالات التي تعكس الفشل أو القصور أو التقصير، فيكون الأقدرَ على التنظير لطبيعة العلاقة بين الوجود والتعدد، ثم هندستها ليكون الوجود المتعدد غنى، أو أن الغنى الحقيقي يستوجب التعدد، وتتمثل الهندسة في عبقرية تلقف الصواب عندما يتسع فضاء الحالات الممكنة أو حين تشتد الأزمات.

المثقف يترفع عن التخندق، لأن الأفق هنا لا يتجاوز حدود الجزئية، في حين هو ينشط في فضاء لا متناه، فيلاحظ ويتساءل ويفترض ويحلل ويفسر ثم يُنظر للاجتماع ضمن الإطار، ثم لاجتماع الإطارات ضمن المشهد الأعظم، فيتمكن تماما من ضبط القوانين الطبيعية التي تنتظم وفقها المادة، من خلال تعقب أثر العقل الذي يتبلور في الهندسة الذكية المتظمنة في بناء هذه المادة، ثم أثر ذلك على اجتماع الإنسان.

المثقف هو البناء الحر الذي يبني المجتمع لبنة لبنة، لأنه الوحيد الذي يمتلك أسس الهندسة الاجتماعية التي تجعله ينفرد بالقدرة على صناعة أنماط حياة للاجتماع الإنساني؛ وتعد اللغة – على سبيل المثال – من اللبنات التي يعمل المثقف على صقلها قصد استعمالها في البناء الاجتماعي، لأنه يعلم  يقينا أن العلاقة بين الإنسان وشبيهه، وبين الإنسان وما دونه من الكون تتم فقط عبر قنوات اللغة، وحيث إن الإنسان لا يفكر إلا ضمن فضاء المصطلحات التي أمده بها المثقف، فإن هذا الأخير يمسك بزمام أمور عقل المجتمع، ويتحكم في بنائه، لأنه هو من يصنع اللغة ويجعل منها الوسيلة المثلى للتأقلم وللانتماء الاجتماعي، ويضبط تأثير الحاجة إلى التواصل على علاقة الإنسان مع المحيط. وفي بنائه للمجتمع، يشكل صروحا ثقافية ضخمة؛ لكنه في نفس الوقت شديد الحذر من الغلو في الكلام عن المثقف الكوني المعياري درءا لمفسدة غياب التنوع، ومن التعصب إلى التنوع تحاشيا لصراعات محتملة.

المثقف يريد أن يعطي هدفا ومعنى لكل شيء، فيحدث كثيرا أن يصطدم بما هو غريب، لكن مبدأ العاقلية لديه يبدد تلك الغرابة ويضمن القدرة على الفهم الشامل، وهو بذلك لديه تمثلات وأفهام سابقة لزمانها، تشكل الأفق الجذاب الذي يحفز على استمرارية البحث والتأمل دون أن يُدرك، فيكون الأقربَََ إلى الصواب، والأكثر توليدا لأقوى فرضيات حل القضايا، والأشد حرصا على رفع مستويات النقاش العقلاني الذي يشكل بوصلة المجتمع نحو التقدم، ويتنافى مع التطرف والتخريف والعدمية، ويعمل باستمرار على إرساء أسس المقاربة الجمعية لمختلف الهويات، وتحويل تنوعها إلى غنى من خلال إبراز المشترك بين كل أشكال الوجود، لإنه وحده من له الإدراك الحقيقي للقوانين التي تنتظم وفقها الطبيعة والمجتمع، وهو الذي يهندس أنماطا معينة للحياة في هذا المجتمع بواسطة التأثير على مستوى الفنون والعادات والتقاليد والتدين والتدبير اليومي، وكل التفاصيل الدقيقة لأشكال التواجد الفردي والمشترك.

المثقف لا يحتاج إلى مواسم فلكلورية ولا إلى وصلات دعائية، ولا إلى أضواء كاشفة، ولا يحتاج إلى اعتراف أو تعتيم، لا يبتغي تميزا، ويتحاشى كل سلالم التقييم، فكما أن شموس الكون لا يعادلها نور كذلك فكر المثقف متحرر فياض، همه الواحد والوحيد أن يوحد شمل الإنسان حول هدف للحياة نبيل، لذلك لا شيء لديه ثابت، ولا شيء مستحيل، يرفض التأقلم في إناء، وعند سماع “العقل قاصر” يحس بالاختناق، وهو أكبر من الإخوة والرفاق، يُنظر لهم جميعا أن القوة وحدها سر البقاء، وما دون ذلك خرافات وعدمية وهراء، يقتنع متنوروهم، وغباءٔ يتطرف الضعفاء، لكن له نفَس وهْو صاحب حق، ويتحدى كل من يميل إلى غير العقل.