مولود شريفة: إن الحكم بالفشل على المدرسة المغربية فيه من القساوة ما قد يذكي الإحساس العميق بالإحباط  لدى الطلاب والآباء والمشتغلين في حقل التربية والمجتمع كله، وفيه من المبالغة ما لا يسمح بالتثمين الحقيقي للمكانة التي تتبوأها المدرسة في ضمان خلق وتكوين وتجديد كل الرساميل الوطنية. وفيه من التسرع ما يجعله حكما ناقصا وباطلا لأنه ينبني على النظر إلى المدرسة من زاوية علاقتها بسوق الشغل فقط، ولم يأخذ بعين الاعتبار الآثار الملموسة الأخرى التي يمكن تحسسها بسهولة في المجتمع.

صحيح أن هناك مشاكل ذاتية وموضوعية كثيرة تؤثر سلبا على دور المدرسة، وهي معقدة ومتداخلة تتطلب انخراط المجتمع كله في بذل مجهودات متواصلة وبنفس طويل، لكن الموضوعية تقتضي الرصانة في إصدار الأحكام وإعطاء القيم الحقيقية للأشياء، من أجل التحديد الدقيق للمشاكل قصد معالجتها.
لقد نجحت المدرسة المغربية منذ عهد الاستعمار في ״ صنع ״ الشخصية المغربية، تلك الشخصية الوطنية والكونية في آن واحد، الشخصية المتفردة والمتشبعة بالقيم الوطنية والإنسانية، والتي استشعرت باكرا خطورة اعتماد السياسة الاستعمارية على المدرسة كوسيلة لا تقل فعالية عن السلاح  في إحداث شروخ وتصدعات في جسم الوطن ومن ثم بسط السيطرة على البلاد إلى أبعد وقت ممكن. فكانت بذلك المدرسة المقاِومة التي ألهمت الحركة الوطنية وأطرتها، وطالبت بالاستقلال، وحاربت المد الفرونكفوني، وأرست تعليما مغربيا محضا  يراعي الأبعاد المتعددة التي ترتكز عليها الكينونة المغربية؛ وبذلت جهودا كبيرة، رغم أنها غير كافية، في توحيد وتعميم العرض التربوي، وفك ارتباطه بلغة المستعمر. وخلال فجر الاستقلال، عملت على تثبيت تلك القيم وتعزيزها وترسيخها وتفاعلها بالشكل الذي جعلها تمتص ارتدادات الاستعمار، وتخفف من وطأة ترسباته، وتجنب البلد من السقوط في يد الأفكار التي تميزت بالاندفاع والحماس غير محسوب العواقب. فقادت بصعوبة، لكن بحكمة، وبالسرعة المناسبة المرور الآمن في المنعرج الذي تلا مباشرة مرحلة الاستعمار. كما عملت على توفير الموارد البشرية المؤهلة في مختلف المجالات الفكرية والعلمية والتقنية والفنية والدينية، لأجل الانخراط في التنمية الشاملة. فكانت المدرسة دائما الوسيلة الوحيدة للتعبئة الاجتماعية، والمكان الحقيق بالتكوين الذي يغذي سوق الشغل بالكفاءات المغربية. هذا وقد وفرت المدرسة المغربية الفضاء الرحب للتنظير السليم للشخصية الوطنية/الكونية، وتدخلت بإرادة ووعي في جعل الظروف تتضافر في اتجاه بلورة فلسفة محض مغربية تنهل من تراكمات المعرفة الإنسانية في كل مجالات اهتمامها منذ أن تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من التاريخ. فكان أن نجحت في إبطال محاولات المساس باللحمة الوطنية، وتمكنت من توحيد كلمة الجميع حول رفض الاستعمار ومقاومته، وكانت بليغة في المطالبة بالاستقلال، وأسست الأرضية النظرية والعملية للثورة ضد النيل من رموز الوحدة، وأقنعت الجميع بضرورة الانتقال من الصغر إلى الكبر في درجات الجهاد، ثم أوحت بعبقرية المسيرة، وبالشعور بوحدة تراب الوطن، وبالتعقل والتوافق حول التناوب في تدبير شؤون البلد، وبالتوجه نحو تخليق الحياة العامة، كما أدلت على وقفة عظيمة لنقد الذات، والتصالح مع الماضي من أجل التوجه نحو المستقبل. ففي كل هذه المحطات كانت المدرسة حاضرة بجوهرها وحكمتها لدى الجميع.
لقد كانت المدرسة ولا زالت وستبقى دائما هي المكان الوحيد الذي يجب على كل أفراد المجتمع التفاخر بالانتماء إليه، والالتفاف حوله، والتنافس على إظهار أثر آلائه، وبارتياده فيما بين المهد واللحد. إنها المؤشر الأمثل لضمان الانتساب الاجتماعي، وفي عتبتها العتبة بين عار الجهل ونور العلم. لذا فهي مركز ثقل ﴿ centre de gravité ﴾ كل مشروع مجتمعي، وهي القوة التجميعية ﴿ la force résultante ﴾  لكل قوى المجتمع، وهي المتجهة الموجهة ﴿ le vecteur directeur ﴾ لكل الآراء المتباينة نحو الصواب، وهي التي تكسب الفرد القدرة على الاختيار السليم والتصرف الصحيح في فضاء كل الحالات الممكنة أو المحتملة ﴿l’univers des cas possibles ou éventuels﴾ ،  بحيث تترفع عن كل المزايدات، وتفوز بحصة الأسد في كل السياسات، وتشكل المعيار الأمثل للترتيب في سُلم الحضارات.
المدرسة ليست فاشلة إذن عندما استطاعت أن تبني هذه الشخصية المغربية التي تكبر في كل محاولات التعريف، والتي أبانت عن حكمة التفكير وسماحة الدين ودهاء السياسة والحس الاستباقي في الحفاظ على التوازن والأمن فيما صعب من الأيام، وهي وحدها التي مكنت من النجاح في تدبير الأزمات بشكل تؤول فيه نسب الفشل إلى الصفر، وهي التي تنفرد بتكوين الرأسمال الفكري المميز للهوية المغربية، والذي يشكل ثراء في مشهد الرأسمال الكوني، وفي نفس الوقت تؤسس للمعالم التي تؤطر كل الرساميل الوطنية من خلال مدها بينابيع لا تنضب من الأفكار الجيدة التي تحتاج فقط إلى استثمارها وتحضير الأرضية المناسبة لتنزيلها.
تفتح المدرسة أبوابها هذه الأيام لموسم جديد، ونأمل بل نريد أن يلتف كل المجتمع  بتلويناته وأطيافه وطبقاته حول المدرسة، من خلال ربط قنوات الاتصال والتواصل مع الإدارة وهيأة التدريس قصد مساعدتهم على تجاوز الصعوبات التي قد تؤثر سلبا على المردودية. فالمدرسة المغربية تروم الانفتاح على المحيط الثقافي والاجتماعي والاقتصادي، ومستعدة لبناء شراكات تكون التنشئة الاجتماعية جوهرها.
إن أطفالنا -رجال الغد- الذين سنأتمنهم هذا الوطن يستحقون أن نتعاون ونتشارك جميعا من أجل أن نُعدهم لذلك أحسن إعداد.