مولود الشريفة – غالبا ما يصاب الإنسان بالدوار وهو يتأرجح بين التساؤل عن السر في قدرته على الحصول على هذا الكم الهائل من المعارف رغم أنه لا يمتلك إلا هذا العدد المحدود من العناصر والمعطيات، وبين التساؤل عن السر في عدم معرفته إلا القليل مع أن لديه من العناصر والمعطيات ما يكفي لكي يصل إلى الحقيقة المحتملة. وفي هذا التأرجح يكمن الميل الذي لا يقاوم في الاستمرار في محاولة فهم ما يجري٬ بيد أنه غالبا ما يجد صعوبات كبيرة في ذلك٬ نظرا لعدم التوازن بين تدفق الوعي وسرعة الأحداث التي تجري في الواقع٬ ونظرا لتشعب مجالات المعرفة وتجزيئها وتخصصها بالشكل الذي لم يعد معه ممكنا الحديث عن العلم الموسوعي. فأدى ذلك إلى غياب رؤية شاملة وواضحة تحيط بالمشاكل الكبرى التي تهدد النوع الإنساني٬ والحياة بصفة عامة.

فالتعقيد والبساطة هما الصفتان المتناقضتان السائدتان في المعرفة الإنسانية٬ بحيث تكمن البساطة في المعرفة الجزئية التي تتكون في مجال اهتمام محدد٬ فنجد مثلا خبراء في الاقتصاد٬ وآخرين في الإعلاميات٬ وفي التربية والتواصل والديمغرافيا وغيرها٬ لكن الحقائق هنا لا تكون إلا جزئية ومقتصرة على المجال المعرفي الذي تتناوله، أما التعقيد فيبرز في تعدد الأحداث إلى اللا متناهي٬ ثم ترابطها وتداخلها٬ والتأثير المتبادل بين مكوناتها، بما يجعل الحقيقة العامة عصية المنال٬ ثم إن تشعب الحقول المعرفية وتجزيئها٬ وعدم وجود تواصل بينها نتج عنه وضع معرفي ضعيف٬ ونمط تفكير مبني على التجزيء والفصل٬ زاد من التأثير السلبي على قدرة الإنسان على المضي في البحث والتفسير والتعريف والتدقيق لما يحدث في الواقع٬ وأمام هذا العجز يجد الإنسان نفسه مضطرا للاكتفاء بنظرة مضطربة ومشوشة، والاكتفاء بالحقيقة الجزئية التي هي في حد ذاتها ناقصة أو خاطئة، أو ينتج في الخيال إيقونات مفاهيمية مبهمة وفارغة (الحظ مثلا)، لكنها صالحة لتفسير غير صحيح لكل الوضعيات، ليجعلها خزانا مظلما يلقي فيه بكل خيباته.

عندما يأخذ الإنسان بمبدإ البساطة في الفهم٬ فهو لا يعتبر أي شيء معجزا في الكون، ولا توجد أية قوة خارجية قد تقهر استمراره في البحث، فيعتقد في التمكن التدريجي والمتواصل، والذي يأخذ منحا تصاعديا قطعا في اتجاه الحقيقة، لكنه هنا يغرق في التجزيء والفصل بين الحقول المعرفية، أما عندما يأخذ بمبدإ التعقيد يصبح كل شيء معجزا، فينهار العقل ويتعطل ويصبح غير قادر على مواجهة تحدي التعقيد، ويجد الإنسان نفسه في وضع مقلق لا يفهم فيه ما يحدث بالتدقيق.

لكن من خلال نظرة تشخيصية وسريعة من أجل محاولة فهم ما يحدث، يتضح أن الكل أصبح متحدا ومترابطا في نظام معولم جديد يتطور على مستوى كل الأبعاد، ويتعاظم باستمرار؛ الكل فيه متواصل بشكل لم يسبق له نظير في علم التاريخ، فارتقى بذلك الفكر إلى مستوى الكونية، وأصبحت كل أشكال الاجتماع الإنساني قريبة من بعضها، فكان من المفروض في هذا أن يؤدي إلى الاتحاد الشامل، وإلى تحويل الصراع البيني واختزاله في واجهة ما دون الإنسان (الطبيعة)، والارتقاء إلى مستوى المواطنة الكونية، وذلك من خلال بعث الشعور بوحدة المصير، والأحاسيس والرغبات والقيم، ثم وحدة الأخطار والتهديدات التي تحيط بالكوكب الأرضي، البيت المشترك الوحيد، مثل انتشار أسلحة الدمار الشامل، وانحطاط وتدهور النظام البيئي، وأخطار الأزمات الاقتصادية والصراعات العرقية والإديولوجية والدينية، ونقص الغذاء، والاحتباس الحراري وغيرها من الاحتمالات المرعبة لكل النوع.

هذا النظام المعولم الحتمي والجديد أرسى الحجر الأساس لمجتمع كوني من خلال بلورة كل العوامل والشروط التي تدخل في تكوينه؛ فهناك أرض تتسع للجميع، وتواصل متعدد ولحظي غير مسبوق، وهناك اقتصاد معولم رغم أنه غير مضبوط تماما، وهناك سلطة كونية رغم الاعتراضات حول شرعيتها، وهناك وعي مشترك يتنامى ببطء بضرورة تبني فكر المواطنة الكونية، وإمكانيات التعايش وتحقيق السلام بالاختلاف وفي الاختلاف. هناك إذن الأسس الضرورية لبناء مجتمع موحد ذي أبعاد جديدة، وهناك ما يكفي لتحقيق مرحلة جديدة في تقدم الإنسانية ومصيرها، لكن في المقابل هناك أيضا عوامل قد تعيق هذا البناء، حسب التوجه نحو مبدإ البساطة أو التعقيد؛ ذلك أن العملية التي تشكل القلب النابض لهذا النظام الكوني الجديد وتنشطه، والتي تتكون أساسا من الاقتصاد والعلوم والتقانة، لا تخلو من نقائص وسلبيات خطيرة، لأنها هي المسؤولة عن ظهور التدهور البيئي والإنساني والأسلحة القوية والخطيرة، ومن جهة أخرى، هناك أزمات تتعلق بالنمو وبالمجتمعات التقليدية، وبالحداثة المرتبطة أساسا بالغرب المتقدم، والتي تؤدي ليس فقط إلى هدم الانغلاق والمحافظة عند المجتمعات التقليدية، بل كذلك هدم معارف وأشكال البناء الاجتماعي، وإلى تغيير في أنماط العيش، وإلى هدم صروح القيم، مما يؤدي إلى خلخلة التراص الاجتماعي القائم، ومنه تفاقم حالة التعقيد لدى هذه المجتمعات في التمثل الصحيح لطبيعة جريان الأحداث وتفسيرها، لينتهي بها الأمر إلى فوضى نادرا ما تنجو من ويلاتها. كما أن هناك أزمات ملازمة للمجتمعات المتحضرة نفسها، تتجلى في حالة القلق والشقاء الناتج عن عدم تحقيق الرضى والارتياح الأخلاقي والنفسي والرغد الفعلي من خلال الريادة المادية، وفي وجود تقاطب اجتماعي كوني بين الفقر المدقع والغنى المفرط، وبينهما طبقة اجتماعية كونية وسطى تطمح بفعل طابعها الشبابي الاندفاعي إلى الولوج إلى أساسيات الحياة اليومية الغربية، والانعتاق من إكراهات المجتمع التقليدي، هنا بالضبظ يبرز وضع التعقيد في تحديد طبيعة الحضارة الإنسانية التي يبدو أنها تتجه إلى الهاوية، وتبرز البساطة في فهم عدم مفهومية ما يجري تحديدا.

العقل الإنساني ينتج الرغد والنمو بقدر ما ينتج البؤس والتخلف، وذلك ليس قدرا طبعا، ولا هو طريق معد سلفا، إنما هو بسيط ومعقد في آن واحدد تنتج عنه أوضاع مشابه يطغى عليها القلق والأمل الحذر والمتجدد.

ولكم وللعالم السلام.