في كل مجتمع تعتبر النخبة المثقفة ،أو هكذا يفترض، صمام الأمان الذي يضمن توازنا معينا في بنية المجتمع بين نخبة تحضى بالمال والنفوذ والسلطة تتحمل غالبا كل المسؤوليات في الدولة وكأن ذلك قدرها، وبين شريحة سفلى تكافح من أجل لقمة العيش وتعليم الأولاد وتدبير اليومي بشكل لحظي لا تطلع فيه للمستقبل نظرا لما تفرضه ضغوطات ومتطلبات الحياة القاسية.

في ظل هذا الواقع المتناقض حيث تشتغل الطبقة الدنيا بلقمة العيش والحد الأدنى من ضروريات الحياة، فلا تجد وقتا ولا ما يؤهلها للتفكر في أحوال البلد والمشاركة في تدبيرها، وفي ظل انهماك الطبقة المترفة من جهة ثانية بترف العيش والحد الأقصى مما يمكن أن تراكمه من ثروات، وكذا افتتانها بالمناصب الجذابة والمظاهر الكذابة..والحالة هذه يفترض أن النخبة المثقفة والمتنورة والتي قد تكون مخضرمة تضم الفقير والغني ومن كل الفئات الاجتماعية، يفترض فيها أن تبقى محافظة على حد معقول من الابتعاد عن وهج السلطة والمال بالقدر الذي يجب أن تبقى ملتصقة وقريبة ما أمكن من واقع المجتمع وهموم الشارع، وبهذا الشكل تضمن أن تبقى هذه النخبة المثقفة صمام الأمان الذي يرصد اختلالات المجتمع ومشاكله ويقارب الحلول الممكنة والآفاق المنتظرة.

غير أن انغماس هذه النخبة في أسباب الترف واستحلائها لوسائل الراحة من الفنادق المصنفة والمطاعم الراقية والإكراميات السخية، من شأنه أن ينسيها القضية وحمل هم التغيير.

وهو ما يلاحظ عند الكثير من المثقفين، أو من يسمون كذلك صدفة، حيث تكثر مشاركاتهم في الملتقيات والمؤتمرات واللقاءات والندوات والأيام الدراسية الوطنية منها والدولية، فتألف أجسادهم الأسرة الوثيرة للفنادق الشهيرة، وتستحلي أفواههم الحلوى اللذيذة والأطعمة الشهية، بل وجيوبهم الإكراميات والتعويضات السخية فينسون القضايا الجوهرية.

فتجدهم دوما في ترحال  ولا يهدأ لهم بال  إلا على المنصات يرددون نفس الأقوال ويجنون المزيد من الأموال.

هكذا إذن فإن النخبة المثقفة تبتعد عن هموم الشارع كلما ابتعدت عن ملامسة الحياة البسيطة والميدانية للمجتمع، وإن مس تلك النخبة شيء من الثراء والرخاء فإنها لا تنظر حتما خلفها لترى الواقع.

ولكي تبقى هذه النخبة وفية للقضايا التي تدافع عنها، والتي استأمنها الوطن عليها، باعتبارها كانت محظوظة لتلقي نصيب أوفر من التعليم والوعي، فلابد أن ترجع في كثير المناسبات إلى العيش في حضن المجتمع وخصوصياته وملامسة قضاياه الجوهرية ومشاكله الحقيقية على الميدان، عبر التجوال والتبضع من الأسواق الشعبية بظروفها القاسية بدل الأسواق الممتازة المكيفة، وركوب “الطوبيس” حافلة النقل العام على الأقل بين الحين والآخر قصد معايشة ذلك العالم الفريد والمثير والخطير في كثير من الأحيان، وقد كان مشهد حافلة النقل العام، هو ما أوحى إلي بهذا المقال حين ركبت الحافلة فلم أتعد سلالمها حتى، فبين الباب والسائق فقط كان هناك 8إلى 10 أشخاص كنت أحدهم، وللمرء في هذه الظروف أن ينصت إلى هموم الناس وشكاويهم، أفكار التلاميذ واهتماماتهم الأولى والتافهة في الغالب، وأن يعيش باختصار الاكتظاظ وما يصاحبه من ممارسات أدعو لمن يرغب أن يجربها لمعايشتها، فالمثقف إذن يجب أن يحرص على ركوب الحافلة أحيانا كثيرة ولو توفر على سيارة، فهناك يوجد مجال اشتغاله الفعلي.

وله أن يدخل الحمام الشعبي بدل “الدوش” العصري، وتناول بعض الوجبات على الأقل في المطاعم الشعبية بدل المطاعم الأكثر رفاهية.

بغير هذه المعايشة، فالمثقف سينسى حتما باسم من يقرأ ويكتب ويعقد الاجتماعات ويحضر المؤتمرات.

ولعل أكثر الأمثلة إشراقا والتي يحسن سوقها في هذا المضمار هو نموذج الخليفة عمر بن الخطاب وهو مستلق على حصير قد أوجع جنبه، وإذا بأحد مبعوثي كسرى ملك الفرس يصادفه وهو على ذلك، وإذا به يسأله عن أمير المؤمنين أين يجده؟

فيخبره عمر بن الخطاب أنه أمير المؤمنين، فيصدم الرجل ويعجب لهكذا مسؤول كبير بل أكبر مسؤول في البلاد كيف يفترش حصيرا لا يكاد يقيه شيئا مما يمكن أن يصيبه من الأرض، لكن الخليفة العادل يأبى إلا أن يعطي  المثال بنفسه على معايشة هموم الشعب وتمثل حال فقراءه، حتى لا تنسيه الفرش الوثيرة والأطعمة اللذيذة والأشربة الحلوة ما يعيشه الشعب.

وإني إذ أستعرض هذا النموذج، فإني لا أدعو بالضرورة المثقفين والحاملين لهم المجتمع باتباع نفس نهج عمر أو الزهد في الحياة، فذلك مما لا تدركه إلا النفوس المقومة المدربة والشامخة وقد عز ذلك في زماننا، بل من حق الجميع أن ينعم بحياة طيبة كريمة، لكن الذي أنبه إليه باستمرار هو عدم الانغماس والانهماك في حياة الترف واستحلاء كل الملذات والامتيازات، فإن ذلك من شأنه أن يخلق المزيد من الحواجز بين ممثلي الشعب وقضاياه الحقيقيين من المثقفين والمتنورين، وذلك  الشعب الغارق في همومه ومعيشه اليومي المضني.كمأمي