بعد انتهاء معركة الطلبة الأطباء بانتصارهم وإن لم يكن مكتملا ولا زال خطر الالتفاف على المطالب حاضرا حسب الحسابات و ميزان القوى ، يأتي حراك الأساتذة المتدربين دفاعا عن مكتسب الوظيفة العمومية الذي يعيش أكبر تهديد و أسوء كابوس منذ استقلال المغرب.فلم يشهد قطاعا الصحة والتعليم وضعا حرجا ودقيقا مماثلا جعل القطاع العام يستعد للتخلي نهائيا عن الاضطلاع بمسؤوليته تجاههما .

والحقيقة المرة هي أن تضحيات المغاربة و المكتسبات التي حققوها منذ عقود (الوظيفة العمومية،التقاعد،الترقيات) كلها الآن ستذهب هباء ليتهيأ الوضع للقطاع الخاص ليستحوذ على غنائم الحرب على حقوق المغاربة و مستقبل أبنائهم.

التصريحات الحكومية بأن الوقت حان لتخلي الدولة عن قطاعي الصحة و التعليم أكدت بالواضح بأن معركة الأطباء والآن الأساتذة هي معركة تصدي و حماية لحقوق أكبر و أضخم من مجرد فئة مهنية معينة وإن كان التفريق و التوزيع الزمني الذكي لطرح القضيتين “الخدمة الإجبارية للأطباء” “مرسوم فصل التكوين عن التوظيف للأساتذة” جعل التضامن و التوحد النضالي القوي غائبا رغم أن السياق واحد و القضية واحدة وهي حق الأجيال القادمة في الوظيفة العمومية .

وفي تفاصيل قضية الأساتذة المتدربين نجد أن “مرسوم فصل التكوين عن التوظيف” هو صيغة أخرى لتتخلى الدولة عن التوظيف المباشر لأساتذة كان يتم تكوينهم أصلا حسب حساب الخصاص الموجود في المدارس المغربية و تعيينهم مباشرة بعد نهاية فترة تكوينهم وهذا ما يتناسب مع سياسة التخطيط الدقيق و الصحيح المفترضة في قطاع يحتاج أطر بالآلاف في مختلف مناطق المغرب ،فلا معنى لولوج أساتذة لمراكز التكوين دون وجود مناصب مالية محسوبة و لا تخضع “للطابع المزاجي” لقانون المالية التي يتقلب كل سنة .

وإذا افترضنا غياب التخطيط في قطاع حيوي و حساس مثل التعليم فهي سياسة مقصودة تبين أن نية القطاع العام هي التراجع و فسح المجال للخواص للعبث في مستقبل أبناء المغرب و إفراغ جيوبهم.و لا يخفى مدى مساهمة القطاع الخاص في التخريب عوض التكوين فالمدارس الخاصة هي مقاولات يهمها الربح و البقاء في السوق بل إن رمي أساتذة مغاربة تم تكوينهم من أموال دافعي الضرائب إلى سوق الخواص هو عبث بالمال العام و عشوائية تخدم أجندات ضد السيادة الوطنية.