الإنسان في تفاعله مع الوعاء الطبيعي الذي يحتضنه يبني صروحا ضخمة من الحضارات التي تضمن له مستويات متقدمة من أنماط الحياة، وحيث إنه ينتشي بهذا التقدم فهو يحتاج بشكل مستمر للموارد التي تضمن ذلك والتي هي متاحة فقط في حاضنته الكونية، فيتم استغلالها بكل شره، ويراكم بذلك العوامل  التي توجب مجتمعة انهيار تلك الصروح. وهنا يطرح نفسه التساؤل حول الفرضيات التي قد تزكي ما يذهب إليه الفكر أحيانا من أن العالم بقيادة الإنسان يهوي إلى الانقراض، لأن هذا الإنسان قد استكمل الآن مراكمة العوامل الكافية لذلك، ويجعلها تجتمع بشكل رهيب ينذر حقا بعدم الاطمئنان لمستقبل الأجيال. وحيث إن العالم أصبح قرية صغيرة فإن التهديد لا يقتصر على حضارة بعينها وإنما يهدد القرية الكونية بأكملها.

 إن البيئة التي تتعرض باستمرار للإتلاف والتخريب قد تسبب لوحدها حدوث التغيرات المناخية المفاجئة التي تؤدي بدورها إلى الزيادة في إضعاف النظام البيئي, فينتج عنه نقص في الموارد، ومنه زعزعة الاستقرار في المجتمع الكوني على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والجيوسياسي. كما أن تنامي الصراعات المسلحة، المؤلمة والعنيفة جدا تجعل الإنسان  ينصرف إلى التسلح على حساب الغذاء، فتصبح الحروب الطاحنة أمراضا مستعصية في جسمي التاريخ والجغرافيا. بالإضافة إلى انحلال التحالفات الاستراتيجية الكونية التي عانى الإنسان كثيرا في إرسائها على أسس قيمية مشتركة، ثم عمى النخب الكونية وتخليها الغريب عن أداء دورها، وعجزها البائن عن تقييم نسبة انحدار العالم وهو يهوي، وعاجزة أيضا عن تغيير المنظور التحليلي لديها، وانحرفت إلى الطائفية المقيتة.

لكن في المقابل، يفرض نفسه التساؤل الآخر كذلك حول الفرضيات التي قد تدعم من يذهب إلى أن الإنسان – على العكس – يقود الكون لوحده وبحكمة وثبات نحو نهضة جديدة حقيقية تزيد في أمل حياة الحضارات. لنتمعن هذه الدفوعات: في نهاية القرن الخامس عشر، ومن خلال اكتشاف أمريكا انبهر الإنسان، وتبين له مدى كبر الأرض وشساعة العالم، ووجد نفسه أمام اللامتناهي من الفرص والإمكانيات، والآن كذلك يكتشف الإنسان مرة أخرى صغارة العالم ومحدودية الأرض على مستوى الموارد، ويكتشف أيضا لا نهائية الفرص التي يتيحها الكون؛ أما على مستوى الإبداع فنجد رجل عصر النهضة ليوناردو دافينشي، وفي مقابله الآن نجد الطابعة بثلاثة أبعاد، بالإضافة إلى تمكن الإنسان حاليا من المعرفة بشكل مبهر تماما مثل ما حصل مع اختراع الطباعة؛ ثم إن الحضارة دائما تكون مقرونة بتفشي العنف، وبحروب الأديان، والحروب الأهلية، والإبادات والعبودية، يقابله حاليا العنف اليومي والاستغلال؛ إذن هي نفس العوامل متوافرة لقيام نهضة جديدة، يصبح معها التخوف من المستقبل مردودا.

لكن من المؤكد أن أسلافنا قد المسموح لهم قد تورطوا في اقتراف أخطاء جسيمة في حق الفكر الحريص على أن هناك دائما إمكانيات وزوايا أخرى للفهم (كوبرنيك وجاليلي)، ومن هنا مشروعية التساؤل حول ما إذا كانت ترتكب الآن نفس الأخطاء؟ وكيف السبيل إلى تداركها والوعي بخطورتها على حرية الفكر؟ ودرءا لكل المفاسد المحتملة الناتجة عن التعصب والتي قد تزكي التمادي في الخطأ، ألا يجوز التساؤل عن مدى صحة ما نعتقده يقينا؟ لكن يا ترى ما هي هذه الحقائق والقيم التي نخالها يقينية ؟ أليس اعتقادنا مثلا في أن النمو غير منته في عالم منته وبموارد منتهية، فيه من التناقض ما يخجلنا؟ أصحيح أن هناك ضرورة للتضحية بكل ما هو حي (la faune et la flore) في سبيل النمو، مما منحنا الحق الباطل في التلويث والتسميم بدعوى متطلبات هذا النمو؟ و ماذا سنترك للأجيال اللاحقة بعنادنا وتعصبنا في اختيارنا للنماذج المدمرة؟

الإنسان هو المالك الوحيد للطبيعة، وهي فضاء وجوده الوحيد، ولديه دائما ما يكفي من الفرص لتصحيح الوضع من خلال امتلاكه القدرة على تغيير العالم، لذلك فهو في حاجة ماسة ومستعجلة لفتح نقاش كوني موسع من خلال المعرفة المتدفقة لديه والوسائل المتطورة لنشرها، في أفق إرساء إعلان كوني لواجبات الإنسان تجاه الطبيعة، من شأنه أن يراعي عاقليتها ومشاعرها، ويرسم بوضوح عتبات التسامح لتدخلات الإنسان فيها، وحدود تحملها لنشاطاته، وإلا فإن هذه الطبيعة  ستجد نفسها مضطرة إلى ممارسة حق الفيتو المكفول لها ولها فقط، لكبح حالات الشرود في فكر الإنسان.

لكن التفاؤل لا يجب أن يعني الثقة المبالغ فيها في المستقبل، لأن خيبات الأمل المحتملة قد تسبب –إن وقعت- صدمات تشاؤمية قوية؛ كما أن التشاؤم المفرط الذي لا يتوقع إلا قتامة في الأفق قد يتحول إلى انفراج عند حدوث مفاجآت جيدة وغير منتظرة، وهذا الانتقال الفظ (brutal) بين طرفي النقيض غالبا ما تكون له تبعات غير محمودة، لذلك فإن الأفضل هو التفاؤل الحذر الذي يستوجب  توقع كل الأخطار الممكنة، وفي نفس الوقت الوثوق من وجود إمكانيات هائلة لتجاوز كل الأوضاع الصعبة؛ أو ربما قد يكون الأفضل هو عدم الاكتراث بالأمر نهائيا، وتعويضه برفع التحدي والعزم على هندسة الحياة العاقلة والمسؤولة.