شاءت الصدف أن أكون من بين زوار قسم المستعجلات بالمستشفى الإقليمي بجرسيف… البسطاء مصطفون أمام باب غرفة الطبيب المداوم… الكل ينتظر فرصته لطرد حبال الأوجاع التي تباغث الجسد التائه في دوامة النسيان..، تسللت بين المصطفين رغبة في التعرف على الغرفة التي تحتضن الطبيب الحائر… المكان أطلق العنان لعناوين الردة و الابتذال… مكتب بئيس لا يعبر عن سبع سنوات من التحصيل في مجال الطب… سألت أحد الحراس عن قسم الولادة… دلني على مسار الولوج… ساعدني مصباح هاتفي النقال للتنقل بين الزوايا و اﻷبواب، الظلام الحالك يغمر المكان وكأنك تتوسل الخدمة العمومية وتستجدي المرفق العمومي ليساعدك على فكرة تأكيد الآدمية… تشعر بالقرف وأنت تسمع صياح الممرضة الوحيدة التي تشرف على قسم الولادة… أنين اللواتي يكابدن لإستلهام مولود جديد يرتفع و يطوي زحمة تشبيكات الجدران…

جرسيف تلك المدينة الحالمة التي أدرجوها في خانة العمالات و اﻷقاليم تترنح على حبال النسيان من خلال هذا المسمى تعسفا مستشفى إقليمي… لم أجد الطبيب المشرف على قسم الولادة، لقد خرج للتو من أجل اقتناص لحظات ذاتية بعيدا عن ضوضاء البسطاء الذين يتوهمون أن جرسيف ستحقق النقلة النوعية في مجال الرعاية الصحية…

بعض الزائرين رجعوا أدراجهم، لشعورهم بالتذمر و الإحباط… سيقتطعون من قوتهم للذهاب للمستشفى الخاص لاستكمال إجراءات العلاج… انتابني شعور غريب جراء هذا الاستخفاف بقيمة الإنسان، حاولت ما أمكن ممارسة إيجاد شيء من المبررات… لكنني تأكدت أن تشبيكات المواثيق الدولية هي مجرد شعارات هلامية ومجالات للتوقيع على صك الإدانة الجماعية لوطن يبيع الوهم في مزاد المنتديات الدولية…لا يمكن الارتقاء بمستوى المشهد بدون المساهمة في تطوير اﻷداء الطبي الذي يروم تحقيق الحق في الصحة لجميع المواطنين..

جرسيف التواقة لدخول معترك التنمية تتوفر على مستشفى إقليمي بئيس بدون أطقم ولا معدات تضمن شرط الولوج …جرسيف التي يتفنن مسؤولوها في توسيع دائرة المهرجانات الجوفاء على حساب جيوب المواطنين غير مسجلة في مجالات المؤسسات العمومية التي تمكن أهلها من تأكيد آدميتهم… هناك ثلاث أضلع للرعاية الصحية…

1 – المؤسسات و البنايات الصحية.

2 – الفنيون اﻷطباء و أطقم التمريض.

3 – اﻷفكار و الاقتراحات و البرامج

عندما تتأمل المشهد بجرسيف تجده غارقا في فلسفة الإسمنت التي أسس لها جهابدة العقار و المستفيدون من الريع بأشكاله المختلفة… المشهد أضحى مجالا للصراع الانتخابي و التقاطبات السياسية الهجينة… الوعاء العقاري استنفذ مجهوده لخدمة مؤسسات التنشئة الاجتماعية و المرافق الصحية الشيء الذي أسهم في تقويض حركية التفكير في حلول آنية لترتيب آليات التنمية… أضف إلى ذلك النقص المهول في العنصر البشري الذي يساعد على تفعيل مجال التنمية و الرعاية الصحية.

ستبقى اﻷماني والمعاني تتودد لبلورة ممارسة حقيقية ترفع من منسوب الحياة لدى شريحة البسطاء والمستضعفين بجرسيف للشعور بقيمة الوطن.