لا زالت الاحتجاجات هي العنوان السائد داخل مخيمات تندوف، إذ لا يلبث أن يهدأ أو يستقر الوضع بمنطقة حتى يتأجج ويثور بمنطقة أخرى، حتى أصبحت المخيمات فضاء احتجاجيا بامتياز يعكس مدى السخط الجماهيري لساكنة الصحراويين، وتنامي وعيهم حول ضرورة السعي لتغيير الوضع الذي فرضته قيادة البوليساريو بالقوة والعنف.

الاحتجاجات والمظاهرات والاعتصامات صارت السمة السائدة بالمخيمات، وأصبحت تهدد مختلف مناحي الحياة بمخيمات هي بحد ذاتها تشكل تهديدا حقيقيا على ساكنتها نتيجة الظروف المأساوية والمزرية التي تطبعها، والتي ساهمت إلى حد كبير في خلق نوع من التمرد على الواقع لدى غالبية سكانها، زاد من حدته اكتشافهم شيئا فشيئا لحجم المؤامرة التي تستهدفهم من قبل قيادة البوليساريو التي لا تولي جهدا في سبيل إطالة معاناتهم داخل المخيمات، فضلا عن سعيها للاتجار بإنسانيتهم وبالمساعدات والمعونات الموجهة إليهم.

فبعد احتجاجات قبيلة لبيهات وأولاد دليم ولعورسيين، وبعد احتجاج السجناء والمعطوبين خلال قمع انتفاضة قبيلة لبيهات الأخيرة “مجموعة محمد عوبة” وتفاعل ساكنة المخيمات معها، لا زالت  الاحتجاجات تنتقل كالنار في الهشيم، و آخر الاحتجاجات التي عرفتها المخيمات كانت على مستوى مستشفى مخيم أوسرد، الذي يشهد منذ أول أمس موجة من الغليان دشنها العاملون به تنديدا بالوضع الكارثي الذين يشتغلون فيه، وانعدام ابسط شروط السلامة وظروف الاشتغال الطبيعي، ورفعوا شعارات تطالب بكشف التلاعبات التي تمارس داخل المستشفى، منددين بالمحسوبية والزبونية التي تساهم في خلق أفضلية بين نزلائه، ومطالبين في الوقت ذاته بتحسين ظروف الإيواء للأطر الطبية.

كل المؤشرات تدل على أن الوضع بالمخيمات ينبئ بالأسوأ في القابل من الأيام، خاصة مع وصول الاحتجاجات للقطاع الصحي الذي يعتبر من القطاعات الحيوية بالمخيمات نتيجة ارتباطه المباشر واليومي بساكنة المخيمات وبالبعثات الطبية الأجنبية التي تتقاطر على المخيمات على طول السنة لاعتبارات إنسانية تستغلها البوليساريو لحث الصحراويين على البقاء بالمخيمات من أجل الاستفادة من التطبيب المجاني. وقد ظل القطاع الصحي بالمخيمات بعيدا كل البعد عن العلاقة بالاحتجاجات التي شهدتها المخيمات منذ نشأتها، بل على العكس كان في مراحل عديدة صمام الأمان ومعينا لقيادة البوليساريو للخروج من الأوضاع المتأزمة حين كان يساهم في تطبيب المصابين والمعطوبين من ضحايا الانتفاضات أو التعذيب أو مساعدته في التغطية على التدخل السيء لميليشيات البوليساريو في حق المواطنين من خلال التكفل بالعمليات الجراحية الخطيرة في إطار صفقات النظام لإسكات المصابين بغية امتصاص غضبهم خوفا من المحاسبة أو الانفضاح أمام الرأي العام الدولي.

اليوم ومع وصول الاحتجاجات إلى القطاع الصحي، لم تعد قيادة البوليساريو تتوفر على صمام أمان يعينها على تجاوز أزماتها الداخلية، ولن تجد من ملجأ أمام توالي الأزمات سوى الاستعانة كما تعودت على ميليشياتها المسلحة التي لا تزيد بتدخلاتها الطين إلا بلة، ولن تسهم إلا في خلق مزيد من الإصرار والرغبة لدى الصحراويين لمواجهة قمع وجبروت قيادة متسلطة آن أوان زوالها.