مولود الشريفة – تكمن قوة الحرية في مدى الوعي بكونها تعني إمكانية القيام بكل ما يسمح به القانون الذي يُصنع من خلال المشاركة العاقلة والإرادية والفعالة والمسؤولة في الحياة السياسية، ومن خلال إدراك الثوابت والمتغيرات التي ينتظم وفقها البعد الواقعي الوحيد للزمن (الحاضر)، ومن خلال امتلاك التمثلات الأكثر قربا من الصواب عن الذات، ثم عن الذات في علاقتها بالآخر، على اعتبار استحالة الحديث عن الحرية خارج الاجتماع الإنساني.

وعلى هذا الأساس فإن الحرية التي ترتبط ارتباطا عضويا بالقانون تمثل خط الأفق الذي لا يدركه الإنسان، ولا ينتهي، ولا يكتمل أبدا، لكنه هو من يخلق فيه الحركة ويسعفه في الخلود إلى النوم ويساعده على الطموح في الوصول إلى القمة وإلى الفضاءات الرحبة، وهو من يضعه على الدوام في ورطات فكرية، وينشط المادة الرمادية لديه.

فخلال الحياة الاجتماعية، لا يفكر الإنسان بوجود طريق مُعد سلفا يؤدي إلى الحرية، بل هو دائما بصدد اختراعه ورسمه آنيا من خلال التقدم أماما بخطى لا مسرعة إلى حدود اللا تحكم، ولا مُبطئة إلى حدود العرقلة، لكنها ثابتة ومضمونة الوصول، بحيث يضعف معه عامل الزمن في أخذه بعين الاعتبار بالنظر إلى حجم النتائج المتوقعة والبعد الاستراتيجي في مقاربة الحياة. وخلال صناعة هذا الطريق، قد يصطدم الإنسان بالإكراهات اللا متناهية للطبيعة، بحيث تشكل له قوانينُها تحدياتٍ مستمرةً، تحجب عنه أحيانا حريته، وتجعله يقتنع بنسبية هذه الحرية، وبعدم وجودها في نموذج مثالي.

وعليه، فإن الإنسان الأكثر حرية، أي الذي يحترم القانون، يكون الأقلَّ عداء للآخر والأكثرَ قبولا بالاختلاف والأكثرَ تقديرا واحتراما للحياة؛ في حين يكون غياب الحرية هو أقرب طريق إلى الفوضى، لأن الإنسان غير الحر يمشي دائما في طريق الانحلال والوهن رغم الإحساس المحتمل الظاهري بالاستقرار، مُجانبا بذلك طريق الحرية الحقيقية التي لا تقتضي الخضوع إلا إلى سلطة القانون، والتي تمد الإنسان بكل ما يلزم لكي يكون حرا في اختياره، ومستقلا في إرادته، تحت الإكراه الوحيد الذي يتمثل في الحقيقة المستمدة من العقل، وتحت المهمة الوحيدة التي هي التحقق، وتحت الولاء الوحيد الذي هو للعقل، هذا العقل العظيم الذي عندما يسلم ويتم إعماله بالشكل الصحيح فإنه يصنع القانون ويصيغه ويطوره باستمرار بالشكل الذي يجعل قطر دائرة الحرية يكبر، وتكبر معه مساحتها.

ولكي يتم إعمال كل طاقات العقل الصانع للقانون والمؤطر للحرية، يجب تفادي إرهاقه بالتفكير في الماضي الذي يجر دائما إلى الوراء بما لم يعد له وجود، ولا في المستقبل الذي يجر إلى الأمام بما هو ليس موجودا بعد، حيث إن في الحالتين معا يخسر الإنسان الحياة، ويمنعه ذلك من أن يسكن البعد الواقعي الواحد والوحيد للزمن الذي هو الحاضر؛ فالماضي يكون إما ناجحا وسعيدا فيكون هناك حنين مؤلم، وإما يكون فاشلا وشقيا فيكون هناك تعب وندم وحسرة وعتاب وجلد للذات؛ أما المستقبل فيكون إما مُوَفقا على حساب فرص الحاضر، وإما فاشلا على حساب طاقات مهدورة، وفي كل هذه الحالات ينفلت الحاضر عن العقل، فتؤثث هذا الأخيرَ تمثلاتٌ خاطئة أو منعدمة عن الحرية والحياة والقانون، وتؤثر سلبا على عمله، ويفتقد إلى نظرة واضحة المعالم عن هذا الثالوث، فيراه مختلفا عما هو عليه في الواقع، ويصبح سجينَ ما يعتقد معرفته، وسجين أفكار جاهزة، فيضل طريق التفاعل الصحيح والأصيل.

لكن في المقابل، عندما تجتمع عناصر هذا الثالوث بشكل متزامن في عقل الإنسان واهتمامه، وتتفاعل في تناغم، يكون هدفه حتما هو تحقيق الحياة الآمنة والناجحة، ضمن المجتمع الوطني والكوني هنا والآن، والمساهمة في إضافة لبنة إلى صرح التقدم الإنساني، فتدفعه الحكمة إلى النجاح في التقليل من الندم على ما ارتبط بالماضي، والتقليل من التمني فيما تعلق بالمستقبل، لكن في الإكثار من الإرادة والتفاعل والنشاط والانفتاح على إمكانيات وفرص جديدة مستوحاة من تفاعل الفكر مع الواقع في صناعة القانون الذي يرسم حدود الحرية.