لا نريد من خلال هذا المقال المتواضع التطرق إلى ماهية المجتمع المدني ولا للحديث عن المراحل التاريخية التي مر بها هذا المفهوم الذي أصبح يحمل أكثر من معنى خاصة في ظل ظرفية تعرف تكاثر وتناسل عدد من الهيئات والاطارات التي تأخذ عددا من الأسماء المختلفة، بل من خلال هذه السطور نريد تسليط الضوء على موضوع كاد يتحول إلى طابو يتحاشى عدد من المثقفين استدارة وجوههم إليه، لأسباب قد تكون مرتبطة بنوع العلاقات التي تجمع بعضهم ببعض أو بمنطق الابتعاد عن الاصطدام المباشر أو بمنطق الترفع والاستغناء عن الحديث في مثل هذه المواضيع التي قد تجلب “صداع الراس”، موضوع “أي “مجتمع مدني نريد؟” فرضته ظرفية أصبح يعيشها هذا الكائن بإقليم جرسيف، من خلال انخراطه في مجموعة من الأنشطة التي قد تكون سلاح دو حدين في النهوض بتنمبة هذا الإقليم المغلوب على أمره.

الكلام عن المجتمع المدني بالإقليم أو بالأحرى عمن يمثلون المجتمع بجرسيف و يتحدثون باسمه، هو كلام عن أشخاص فاقدين لأي شرعية على غرار المجتمع السياسي و كلاهما لا يظهر إلا مرادفاً للاصطياد في المياه العكرة، والركوب على أمواج الأحداث التي لا يعرفون عنها أي شيء إلا من خلال من يوجههم ويضع لهم خطة طريق غالبا ما لا ينجحون في بلوغ أهدافها… وعند الحديث عن الشرعية فنحن لا نقصد بذلك مشروعية التأسيس أو الوجود القانوني بل نعني بذلك شرعية الكلام بلسان المجتمع و الحديث باسمه و المطالبة بحقوقه أو الانتقام من مفسديه، فهم يعلمون علم اليقين أنهم لا يمثلون إلا أنفسهم، ويعرفون حق المعرفة أن مستواهم المعرفي هزيل تعكسه نوعية أنشطتهم وطريقة كلامهم، و لا يتحدثون أمام المسؤولين إلا لإثبات الوجود و ابتزازهم لتحقيق أكبر ما يمكن تحقيقه لا سيما في ظل حاجة المسؤولين إلى سند اجتماعي أو إلى “إطارات” يقيسون من خلالها نبض الشارع و يُوجهون مساره أو يمتصّون صدماته وغضبه…، والحال ، ألا يقوى المسؤولون على العمل في إطار التشاركية المنشودة لتقويم تشوهات المجتمع المدني بهذا الإقليم ليلعب دوره الحقيقي كقوة اقتراحية …؟؟

ما سبق هو مجرد إشارات تستحق منا العودة إليها لتفتيت حيثياتها نظرا للوضع الكارثي الذي أصبح عليه المجتمع المدني بإقليم جرسيف، فضلا على أن متصدري العمل الجمعوي ليسوا نخبة المجتمع التي لها من الكفاءة و القدرة ما يؤهلها لتمثيل الإقليم والحديث باسمه و التكفل بانشغالاته، بل أن جلهم أميين و منبوذين و متسربين ومسيرين، يأكلون من كل الموائد، و يُطبلون لكل من يقتاتون من الفتات الذي يتساقط من أفواه بعض المسؤولين والمنتخبين..، و يمارسون دوراً قذراً يعطّل المجتمع المدني عن القيام بأدواره… و حقيقة الأمر أن هذا ليس عيباً فيهم ، بل هذه الفئة المبتزة موجودة في كل زمان و مكان و هي لا تمارس إلا دورها الطبيعي الذي وُجدت من أجله، لكن أن تتصدر المجالس وتتحين الفرص لتبادر و تُفتح لها الأبواب وتتكلم باسم المجتمع المدني ، فإننا حينئذ نوجّه أصابع الاتهام إلى من سمحوا لهم بتبوء هذه المكانة و لعب هذا الدور المنبوذ، و هذا الكلام يحيلنا على سؤال جوهري ومهم يتحمل فيه المجتمع المدني الحقيقي مسؤوليته التاريخية، هو كيف رضينا أن يكون هؤلاء هم أعياننا و هم من ينطقون باسمنا؟ أو كيف سمح لهؤلاء أن يصنعوا أسماءهم المزيّفة التي تستغل تعاسة المجتمع المدني الديمقراطي وتراجعه لتحقيق مآرب دنيئة كدناءتهم؟

و ما يمكن استخلاصه في هذا المقام أن من يستقبل ويستمع لهؤلاء من المسؤولين يعرف جيدا أي مجتمع مدني هذا، وبالتالي لن يحل أي مشكلة في الحقيقة بل لن يفعل أكثر من تسليم رقبته لهذه الفئة المبتزّة التي ليس لها أي صدى لا في الشارع ولا غير الشارع..

لقد حان الوقت لتوسيع النقاش والوقوف على مكامن الخلل وتشخيص الداء بين جميع مكونات المجتمع الجرسيفي بسلطته، منتخبيه، جمعياته، أحزابه، نقاباته وجميع الفاعلين الذاتيين والمعنويين…، و الحديث عن المجتمع المدني يعيد طرح أسئلة مهمة من قبيل أي مجتمع مدني نريد؟ و كيف يمكننا استحداث آليات فعالة في صناعة و تزكية مجتمع مدني حقيقي يعي جيدا أدواره وله كلمة مسموعة في المجتمع من جهة، و ليس لها القابلية للتطويع والتحكم الذي يهدم أساسات المجتمع بعدم فهمه للخطوات التي يخطوها، بل تمارس دورها و عينها على مصلحة المجتمع الذي زكاها في إطار الشرعية واحترام القانون، فنحن مصيبتنا مركّبة ، مجتمع مدني جناحاه فئتان : فئة تافهة في مستواها و مطالبها و تهافتها، و أعيان لا ندري من عيّنهم هم عين على المجتمع لا له.

وحتى ليفهم من كلامنا أننا عدميين وأننا نمارس نقدا هداما فإننا لا نعمم مواقفنا هاته على جميع مكونات النسيج الجمعوي بالإقليم، رغم أننا نعي جيدا أنها لن تروق عددا من “جمعيات المجتمع المدني” بإقليم جرسيف، وتلك هي المقصودة من هاته السطور التي نتمنى أن تكون دافعا لطرح سؤال : أي مجتمع مدني نريد؟؟