أميمة الإدريسي*

اشتهرت مقولة “غاندير حجرة فسباط المغرب” منذ سنة 1976، إثر تصريح الرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين أثناء الاحتفال بعيد العمال ببلاده؛ وهو ما يجرنا إلى التعريج على مجموعة من الأحداث التي أعقبت تشكيل ووضع هذه الحجرة، كما جاء على لسانه. ويقصد، هنا، إقامة مخيمات تندوف -على أساس أنهم لاجئون مغاربة- والرغبة في السيطرة على الحركة المغربية التي طالبت بتحرير الأقاليم الجنوبية من قبضة المستعمر الإسباني وتوجيهها ضد المغرب.

لقد كانت بداية إنشاء المخيمات عام 1974، مباشرة بعد الإطاحة بالقيادة الأولى لـ”البوليساريو” التي كان الهدف الأول لإنشائها سنة 1973 مقاومة الاستعمار الإسباني الذي امتد من سنة 1885 إلى سنة 1976 بالمنطقة، وكردة فعل على حادث إخماد الحركة المدنية السلمية المنضوية تحت الحركة الجنينية التي كان يقودها المفقود سيدي براهيم بصير، المطالبة بالحقوق الثقافية والسياسية بالمنطقة؛ الأمر الذي تم بتاريخ 17 يونيو 1970 بمدينة العيون.

إن هذا العمل الشنيع المنجز من طرف النظام الفرنكوي شكّل نقطة انفصال ما بين الإسبان وساكنة الإقليم؛ وهو ما أدى إلى العمل على تأسيس حركة مسلحة ضد الوجود الاستعماري سنة 1973.

وبحكم أن المجتمع الصحراوي قائم على القبيلة، فقد انتشر الوعي بخطورة الاستعمار الإسباني، فضلا على تزامن هذه الفترة مع المد الثوري الذي عرفه العالم أجمع؛ وهو ما شكل هذا الوعي دفعة نحو تبني قرار مجابهة الاستعمار الإسباني وطرده من الساقية الحمراء واد الذهب، بتنسيق مع العديد من الصحراويين والقيادات الشبابية.

ليقام، بعد ذلك، المؤتمر التأسيسي للحركة بـ”الزويرات”- موريتانيا، بتاريخ 28/04/1973، الذي شهد تسمية الحركة بـ”الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء وادي الذهب”، لإطلاق الكفاح ضد الاستعمار الإسباني، وحيث لم يرد في الوثيقة التأسيسية أي مصطلح للانفصال عن المملكة المغربية أو تأسيس دولة مستقلة.

فيما بعد، فقد جرى تغيير العناصر القيادية “للبوليساريو” مع المؤتمر الثاني الذي أقيم بمنطقة تبعد عن تندوف بـ70 كلم، ما بين 25 إلى 28 غشت 1974، بتدخل غير مباشر من الجزائر، حيث تم إنزال الكثير من الصحراويين الجزائريين من أجل الإطاحة بالأمين العام المنتخب الوالي مصطفى السيد وعدد من الأطر المنحدرة من الأراضي التي كانت تسيطر عليها إسبانيا، والمنتمين إلى القبائل التي لا تخضع للنفوذ الجزائري. وبذلك، جرى وضع قيادة جديدة وبرنامج سنوي وعلم للجبهة، مع الاستمرار في العمل بالمبادئ المؤسسة للحركة وإغنائها بأخرى.

وبعد هذا المؤتمر بشهرين، جرى استدعاء القيادة الجديدة للحركة، بغرض المشاركة في مؤتمر الشبيبة الدولية الديمقراطية بالعاصمة الجزائر، وتم اللقاء مباشرة بالرئيس الجزائري آنذاك بومدين.

بعد الرجوع من المؤتمر، اجتمعت اللجنة التنفيذية في تندوف، حيث قامت بطرد الأمين العام الوالي مصطفى السيد، تحت يافطة أنه انفرادي في قراراته، وتم تغييره بمحمد الأمين الوالي أحمد بطريقة غير شرعية، إذ لم يتم تعيينه عن طريق مؤتمر استثنائي؛ وهو ما يؤكد إرادة تدخل الجزائر في تعيين قيادة الحركة، إذ إنه خلال استضافتها للمؤسسين في المؤتمر المقام بالعاصمة الجزائر، سيتبين لهم عدم انتماء أيّ فرد من عناصر القيادة إلى القبائل التي تكن الولاء للجزائر، ليتم بعد فترة وجيزة كذلك، فرض أمين عام جديد هو محمد عبد العزيز، المنتمي إلى إحدى القبائل المعروفة بولائها للجزائر.

جاء قرار إنشاء المخيمات بالضبط بعد مؤتمر تلمسان، الذي اجتمع فيه الملك الراحل الحسن الثاني والرئيس الموريتاني الراحل المختار داداه والرئيس الراحل بومدين. وفي خضم أشغال المؤتمر، سيصرح بومدين بأنه لا توجد مطامع للجزائر على الأراضي الصحراوية المغربية، وفي الوقت نفسه يعطي تعليماته لإنشاء المخيمات بتندوف عام 1974، حيث أمرت الجزائر اللجنة التنفيذية-التي تم فرضها- للحركة بجمع البدو الموجودين في تلك المنطقة، والذين كان عددهم لا يتجاوز سبع خيمات بالضبط، ويعدون من قبيلة صحراوية جزائرية. الأمر الذي يزكي مقولة بومدين “غاندير الحجرة فسباط المغرب”، أي أن القيادة الجزائرية كانت لها الرغبة في الرد على حرب الرمال ولا يهمها أمر الحركة والأهداف التي تقوم عليها.

بالتزامن مع هذه الأحداث، استغلت الجزائر “المسيرة الخضراء” التي أقامها المغرب، لتشويه صورته، وخلق نزعة انفصالية بين الصحراويين المغاربة، خصوصا أن هذه الفترة كانت مع بداية سنوات الرصاص بالمغرب.

وفي هذه الفترة بالذات، سيتم توسيع المخيمات التي كانت في الأول عبارة عن سبع خيمات لقبائل صحراوية جزائرية، كما أشير سلفا، واستقطاب بدو من مختلف المناطق والقبائل الصحراوية التي تنحدر من أصول مختلفة موزعة ما بين المغرب وموريتانيا والجزائر، إذ هناك عائلات كبرى تم شطرها بين من ظل أو عاد إلى أرض الوطن وبين من ما زال هناك، نظرا للظروف الحاطة بالكرامة التي يعيشها هؤلاء الصحراويون الذين انتزعوا من أراضيهم في ظروف يعلمها العالم أجمع. ففي ذروة مفاوضات مدريد لعام 1975 المحتمة للجلاء الإسباني، كانت الشاحنات الجزائرية تجوب الأقاليم الصحراوية لتهريب السكان، عبر التغرير بهم حينا واستعمال القوة في أحيان كثيرة. ولما تبين أن أعداد المرحلين لا تفي بالغرض المطلوب-الإيهام بإمكانية إقامة دولة- عمدت الجزائر إلى إيواء قبائل صحراوية من شمال موريتانيا، ومن المناطق الجزائرية (تندوف، تبلبلت، العباضلة…) لتضخيم أعداد اللاجئين.

ومع قيام أحداث انتفاضة تندوف لسنة 1988، التي كانت نتيجة لتراكم أخطاء ما بعد أحداث 1974 و1975، فضلا عن الانتهاكات التي توالت في تندوف، وكذا تعذيب كل المحتجين ضد القيادة غير الشرعية، التي تنكرت للمبادئ الأولى التأسيسية للحركة؛ حيث تم قتل البعض وسجن أربعة أفراد من المؤسسين للحركة والمنافين لتوجيهات القيادة الجديدة، بدون حكم أو قانون، في ظروف مهينة بالكرامة لمدة أحد عشر شهرا، ليتم كذلك اغتيال الأمين العام الأول، بعد الإطاحة به مباشرة بعد ستة أشهر.

بالإضافة إلى حال الأسرى المغاربة، الذين كانوا وما زالوا يعاملون -معاملة العبيد في القرون الوسطى- بمختلف أنواع التعذيب، وفي خرق واضح للقانون الدولي ولمبادئ حقوق الإنسان.

مقتطفات من المقابلة العلمية مع الكاتب البشير الدخيل، أحد المؤسسين للجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء وادي الذهب.

* باحثة في مجال العلاقات الدولية