عزيز لعويسي

يحتفي العالم الإسلامي بذكرى مولد خاتم الأنبيـاء والمرسلين محمد صلى الله عليه وسلم الذي أرسله الله جل علاه هدى ورحمة للعالمين، عبر رسالة الإسلام التي لا يمكن قطعا تصورها إلا داخل نطاقات “السلام” و”العدالة” و”المواساة” و”الأخوة” و”الرحمة” و”الوسطية” و”الاعتدال”، وهي مناسبة سنوية غالية على قلوب المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، تقتضي سفرا مجانيا بين عوالم ودروب السيرة النبوية العطرة، لرصد ما تزخر به من دروس وعبر وقيم وشمائل وأخــلاق، أكبر وأعظم من أن يستعرضها قلم ومـداد أو أن يستوعبها ورق أو حتى كتاب، وليس أمامنا من خيـار سوى أن نترك المهمة عن طواعية واختيـار لأهل الاختصــاص من فقهاء وعلماء ومتخصصين في السيرة النبوية ومسالكها المتشعبـة، فهم دون غيرهم الأقرب للنبش في حفريات هذه السيرة المشرقة واستخـلاص ما تزخر به من دروس وعبر ورسائل متعددة الزوايا، ما أحوجنا إليها اليـوم في زمن الخضوع والانحطاط والانبطاح والتطاول…

ذكرى غالية ومشرقة تتــزامن هذه السنة مع ما نعاينه في مختلف مواقع ومنصات التواصل الاجتماعي من شعارات مدافعة عن خاتم الأنبيـاء والمرسلين وسيد الخلق “محمد” عليه الصلاة والسلام، ومن موجات غضب واستنكـار متعددة الزوايا امتدت الى الواقع، احتجاجا على ما صدر عن الرئيس الفرنسي من تصريحات غير مسؤولة حبلى بمشاعر الإساءة والكراهية للإسلام ولرسوله الكريم، وهذا الوضع المقلق، الناتج عن تهور سياسي فاقد للبوصلة وغير محسوب العواقب، لن يكــون إلا إساءة لفرنسا ذاتها ومساسا صارخا بسمعتها، وضربـة موجعة لما تدعيه من ديمقراطية وحقوق ومبادئ وقيم، وتعميقا لبؤر العداء والاحتقان والحقد والكراهيــة، في ظل جائحة عالمية تفرض الجنوح أكثر من أي وقت مضى إلى قيم التآخي والتعايش والتعاون والتعاضد ونكران الذات لمواجهة الجائحة الكورونية المرعبة التي مازالت مصرة على المزيد من الإرباك والإزعاج والفتك.

وبحكم رابطة الانتماء الديني، وبعيدا عن كل أشكال التعصب في الرأي، لا يمكننا إلا التموقــع في صف الاستنكار والإدانة، احتجاجا على المساس الصارخ برموزنا ومعتقداتنا الدينيـة ولثقافتنا وهويتنا الإسـلامية المشتركة، ليس فقط من باب سمو الإسلام الذي لا يمكن تصـوره إلا داخل رحاب الرحمة والمحبـة والصفاء والتعاون والتضامن بين الأمم والشعـوب والأمن والسكينة والسـلام والوسطية والاعتدال، ولا من مدخل السيرة النبوية العطرة لرسول أنزله الله هدى ورحمة للعالمين، بل ومن منطلق رفضنا واستنكارنا لشتى أنـواع المس بمقدسات الأديان، وعلى رأسها الرسل الكرام عليهم أفضل الصلاة والسلام الذين اصطفاهم الله عز وجل ليبلغوا للإنسانية قيم الخير والمحبة والسلام والإخاء والتراحم، واعتبارا للمنظومة الدولية لحقوق الإنسان التي تتقاطع جميعها حول صون حقوق الإنسان وحماية الحريات وتكريس قيم العدالة والمساواة بين بني البشر واحترام الخصوصيات المحلية والمشاعر الدينية، ونبــذ كل الممارسات التي من شأنها تكريس التطرف والكراهية والعداوة والإقصــاء بين الأمم والشعوب.

ما نشاهده ونعاينه من أشكال وتعابير احتجاجية مختلفة متعددة الزوايا في عدد من بلدان العالم الإسلامي، امتدت حتى إلى فرنسا ذاتها، هو رسائل ضد الظلم والتحقير والعنصرية والاستعلاء والتحقيـر، تسائل ما حملته الثورة الفرنسية من قيم “الحرية” و”المساواة” و”الأخوة”، كما تسائل الازدواجية التي تتعامل بها بعض الأوساط الغربية مع التشريعات الدولية لحقوق الإنسان التي تقاطعت في الدفاع عن الحقوق والحريات ونبذ كل أشكال الممارسات الدافعة للحقد والتطرف والإقصاء والكراهية، فما صدر عن “ماكرون” ومن يدور في فلكه من تصريحات مسيئة للإسلام ولرسوله، تحت يافطة حريـة الرأي والتعبير، أقصى ما حققته، التشويه بصورة “ماكرون” نفسه، والتأثير على مستقبله السياسي، والإساءة لسمعة فرنسا في العالم الإسلامي والمس بعلاقاتها التاريخية والاستراتيجية مع عدد من البلدان العربية والإسلامية، والتشويش على مصالحها الاقتصادية.

فإذا كان القصد من هذه الحملة المسعــورة، الإساءة للإســلام، فإن للإسلام رب يحميه ويضمن له نعمة التوسع والاستمرارية والتوهج والتميز والإشــراق مهما كره الكارهون وعبث العابثون، وإذا كانت الغاية، التشويه بصــورة المصطفى عليه أفضل الصلاة والتسليم، فهو خاتم الأنبياء والمرسلين الذي أرسله الخالق جل علاه هدى ورحمة للعالمين، حاملا للإنسانية جمعاء رسالة المحبة والأخوة والرحمة والعدالة والمساوة والسلام، وهو أكبر وأعظم من أن تمسه تصريحات متخلفة أو ممارسات متطرفة غاية في الجاهلية والحقد والكراهية والإقصـاء، فلا تصريحات “ماكرون” تقوى على الحد من توهج نور الإسلام، ولا حماقات أمثاله قادرة على النيل من صورة وقيمة وعظمة رسول ختم الله به وعلى يديه رسالات الأنبياء والمرسلين، ليتمم مكارم الأخــلاق عبر رسالة الهدى والمحبة والرحمة والعدالة والسلام.

إذا كان الهـدف، التلويح بأزمة الإسلام والتقليل من شأنه، فقد انقلب السحر على الساحر إن صح القول أو التعبير، عبر الملايين من المسلمين الذين خرجوا إلى الشـــوارع احتجاجا على الانــزلاق “الماكروني”، وإدانة للمساس المستدام بشعائر ومقدسات ما يزيد عن مليار ونصف مليار مسلم(ة) عبر العالم، ومن خـلال قضية الرهينة عاملة الإغاثة الفرنسية “صوفي بترونين” (مريم)، التي أثارت عودتها إلى فرنسا وهي تعتنق الإسلام بعض الحرج في الأوساط الرسمية الفرنسية، بعد الجهود التي بذلت لتحريرها، إثر قضائها قرابة أربع سنوات من الاحتجاز لدى جماعة جهادية بصحراء الساحل، في لحظة استقبال، كان فيها “ماكرون” مستعدا تمام الاستعداد لإشهار سيف الهجوم على الإسلام والتمادي في الإساءة لرسوله صلى الله عليه وسلم، لكن الرياح جرت بما لا تشتهي سفينته التائهة بين أمواج العداء والكراهية.

حرارة الإدانة والغضب والاحتجاج، كانت كافية لإشهار سلاح مقاطعة السلع والبضائع الفرنسية، كخيار لا محيد عنه للتصدي للحملة الممنهجة ضد الإسلام ورسوله صلى الله عليه وسلم، وهو سلاح شعبي عفوي تلقائي يصعب ضبطه أو التحكم فيه، اعتبارا لما للمستهلكين الغاضبين من حرية وسلطة في تجاوز المنتجات الفرنسية واختيار غيرها من العلامات التجارية، وسلوكات من هذا القبيل لا يمكن إلا أن نتصور درجة تأثيراتها وتداعياتها على دينامية الاقتصاد الفرنسي وعلى مستوى أداء المقاولات الفرنسية في الداخل كما في الخارج، إذا ما تم الإصرار على المقاطعة والتمادي فيها، وبقدر ما نرى أن هذا السلاح الدفاعي هو محرج لفرنسا ولقادتها ومربك لمصالحها الاقتصادية، بقدر ما نرى أنه درس ما بعده درس، من منطلق أن العالم الإسلامي بتشتته وتفرقته، هو من الناحية الاقتصادية سوق استهلاكية هائلة تضم ما يزيد عن مليار ونصف مليار مسلم(ة) وموارد وخيرات متعددة المستويات، وهي معطيات موضوعية مغرية، تحرك عجلة الاقتصاد الفرنسي عبر الكثير من المقاولات الفرنسية التي تنشـط في عدد من البلدان العربيـة والإسلامية، وفي ظل هذا الوضـع، فما صدر عن “ماكرون” ومن معه من تصريحات، لن يكون إلا مجازفة “غير محسوبة العواقب” أقرب إلى الحماقة، لأنها لم تقدر التداعيات على العالم الإسلامي الذي خرجت شعوبه إلى الشــوارع من أجل الإدانة والاحتجاج، ولم تستحضر الآثار المحتملة على النسيج الاقتصادي الفرنسي في ظل إشهـار سيف المقاطعة في وجه السلــع والبضائع الفرنسيــة في عدد من الدول الإسلاميـة، ولم تراع طبيعة العلاقات التاريخية والاستراتيجية بين فرنسا وعدد من بلــدان العالم الإسلامي، ولم تكترث لما قد تفرزه من مناخ مشحون بالحقد والخلاف والمواجهة والكراهيـة والتطرف والصدام بين الأديــان…

في هذا الإطار، نرى أن التمادي في الإساءة للإسلام والتجرؤ على رسوله في الأوساط الغربية، لن يكون إلا بلادة وسوء تقدير ومساسا بالمصالح، وإسهاما في قيادة العالم نحو حافة التطرف والصدام والمواجهة، ونحن ندرك أن سلاح “المقاطعة” هو سلاح على درجة كبيرة من الرعب والفتك والإحراج والإضرار بالمصالح الاقتصادية الفرنسية في العالم الإسلامي، لكن في الآن ذاته نرى أن المصالح الاقتصادية للبلدان على درجة كبيرة من التشابك والتعقيد، والمقاطعة نتصــور أنها قـد تضر بمصالح عدد من المقاولات الفرنسية عبر العالم الإسلامي إذا ما تم الإصرار على نهجها، لكنها في الآن ذاته قد تضر بمصالح عدد من البلدان العربية والإسلامية، خاصة التي يرتبط اقتصادها بقوة بالاقتصاد الفرنسي، كما ستضر بمصالح الأيادي العاملة ومن خلالها بحياة الكثير من الأسر في ظل حضور المقاولات الفرنسية في عدد من البلدان العربية والإسلامية. والمقاطعة في جميع الحالات تقتضي توفر اقتصاديات البلدان العربية والإسلامية على تنافسية وقدرة على التقليص من مساحات التبعية للخارج وتحقيق مستويات مقبولة من الاكتفــاء الذاتي الذي يحقق لها التوازن المطلوب في علاقاتها الاقتصادية مع الخارج، وهو الأمر الذي لا نتملك مفاتيحه في الوقت الراهن، كما أن ما نعيشه كعالم عربي إسلامي من مشاهد التفرقة والشتات والأنانية المفرطة، يعمق بؤر ضعفنا وتواضعنا وانحطاطنا بين الأمم والشعوب.

لن نندد بمن أشهر سلاح المقاطعة، ولن نميل بجرة قلم نحو من تحفظ على إشهار هذا السلاح أو عارضه بالمرة، إيمانا منا بحرية الرأي وإبداء الموقف وحرية كل شخص في اختيار المنتج الذي يرغب فيه بناء على أفكاره وقناعاته ومواقفه، لكن بين الرأي والرأي المضاد، نــرى أن “المقاطعة” ولا “الحماسة” في الإدانة والاحتجاج، لا يمكنها البتة أن تحجب شمس حقيقتنا المرة التي لا تسر الناظرين، فيكفي أن ننظر بقلق إلى ما بات يعترينا كعالم عربي إسلامي من مشاهد التفرقة والتمزق والشتات، وما أضحى يسيطر علينا كبلدان من مشاعر الحقد والضغينة والكراهية والأنانية المفرطة، ومن ممارسات خفية ومعلنة محركة لعجلات العنف والتوتر والقلاقل والنعرات والتحرشات ببعضنا البعض، أما على مستوى الأفراد، فقد انزلقنا بمستويات ودرجات مختلفة، بعدما باتت سلوكيات وممارسات بعضنا أو معظمنا غارقة في أوحال الطمع والجشع والأنانية والعنف والإقصاء والنصب والاحتيال والفساد والرشوة، والسرقة والترامي على الحقوق والغش والكذب والنميمة والمحسوبية والزبونية، والعناد والخلاف والتكالب حول المصالح والمكاسب، والعبث والتهور وانعدام روح المسؤولية، وكلها سلوكيات وممارسات تبعدنا يوما بعد يوم عن أخلاقيات الإسلام وسيرة رسوله المصطفى صلى الله عليه وسلم، بشكل بتنا فيه نسيء للدين بدون حرج أو حيــاء، وهذا يمنح الفرصة لغيرنا من الأجانب ليربطوا بين الإسلام وما يقدم عليه الكثير منا من تصرفات لا صلة لها بالإسلام ولا بشمائل رسوله.

وعليه، فإذا كان لا بد من “المقاطعة”، فلا بديل لنا اليوم من مقاطعة كل ما يسيطر علينا من مشاهد الحقد والضغينة والتفرقة والتشرذم، والقطع بشكل لا رجعة فيه مع ما نكنه لبعضنا البعض من مشاعر الكراهية غير المبررة ومن إثارة للدسائس والقلاقل لإضعاف بعضنا البعـــض، وأن نتنازل على كل ما يعشش في أنفسنا الأمارة بالســـوء من أحاسيس العبث والتهور وانعدام المسؤولية، ونكبــح فرادى وجماعات جماح ما يعترينا من بؤس ديني وقيمي وأخلاقي، وأن نجنح عن طواعية نحو الوحدة ولم الشمل، مستحضرين ما أنعم به علينا الله عز وجل من إسلام على درجة كبيرة من السمو والرفعة ومن رسول اصطفاه الله رحمة للعالمين، وفي وحدتنا ولم صفنا، توحيد لما أنعم به الله على أمتنا العربية والإسلامية من نعم وخيرات تعد ولا تحصى مقارنة مع غيرنا، بحسن استغلالها واستثمارها، بإمكاننا أن نبني اقتصاديات قوية وتنافسية، تضمن كسب رهــان ما تتطلع إليه شعوبنا من تنميـة بكل مستوياتها وجعل ثمارها متاحة للجميع على قدم وســاق. وبهذا النهج، نحقق القوة والكرامة والاستقلال الذاتي ونتملك سلطة القرار ونضمن الاحترام والتقدير والإعجاب، حينها سيحسب لنا ألف حساب ولن يتجرأ علينا أحمق أو مجنون أو طائش أو عابث.

ذكرى المولد النبوي ليست ذكرى عابرة ولا مناسبة سنوية لتبادل برقيات أو رسائل تهاني باردة برودة الشتاء بين قادتنا وزعمائنا، هي فرصة تفرض علينا استحضار ما نتعرض إليه من هجومات خفية ومعلنة على مقدساتنا ورموزنا الدينية، والتوقف عند الإساءة الممنهجة التي ما فتئ يتعــرض إليها خاتم الأنبياء والمرسلين في فرنسا كما في غيرها تحت يافطة حريـة الرأي والتعبير، في واقع عربي إسلامي بلغ فيه التشرذم مداه والضعف منتهاه، لم نعد نجد فيه عيبا أو حرجا في الإصرار على القسوة على بعضنا البعــض بالحقد والضغينة والحروب والتوتر وإثارة القلاقل والدسائـس ما ظهر منها وما بطن، وبهذه الأساليب الجبانـة التي نتحمل مسؤوليتها فرادى وجماعات، صرنا أول من يتجرأ على الدين ويســيء إليه، لما تعودنا عليه من سلوكيات وأخلاقيات بعيدة كل البعد عن الدين وعن السنة العطرة للمصطفى صلى الله عليه وسلم.

وفي هذا الصدد، فإذا كانت التعبيرات الاحتجاجية ضد “ماكرون” ومن معه مرآة عاكسة لما يحظى به محمد صلى الله عليه وسلم من محبة واحترام وتقدير في قلوب المسلمين، فنــرى أن الرسول ليس في حاجة إلى من يدافع عنه أو ينتصر له، فهو أكبر من تصريح جبان أو إساءة فاقدة للبوصلة لا تقدم ولا تؤخر، ولا إلى احتجاجات عابرة أو دعوات حماسية لإشهار سلاح المقاطعة، بقدر ما هو في حاجة إلى التحلي بأخلاقيات الإسـلام الوسطي المعتدل، بعيدا كل البعد عن كل ممارسات التطرف أو الحقد أو الكراهية أو الإقصـاء، والسير على نهـج سيرته المشعة والمشرقة وما تزخر به من مكارم الأخــلاق ومن سمو ورقي في المعاملات، في حاجة أن نكــون عاكسين لرسالة الإسلام ولسيرة حاملها، في كل تصرفاتنا وممارساتنا، سواء مع بعضنا البعض أو مع غيرنا من الشعوب والأمم، في حاجة أن يكــون كل واحد منا سفيرا للإسلام خارج العالم الإسلامي، بالحرص على نهـج الإسلام والاقتــداء بالسنة النبوية الشريفة وما تزخر به من قيم وشمائل وأخـلاق. وبمثل هكذا تصرفات، نستطيع أن نقدم لغيرنا الصورة الحقيقية لإسلام الحق والعدالة والمساواة والأخوة والمحبة والســـلام، ونــرى أنه لا أبشع من صورة “مسلم” في أوروبا مثلا أو أمريكا يقدم على تصرفات لا علاقة لها بأخلاقيات الإسلام إلا الخير والإحســان، أو بمسلم متطرف يعتدي على حياة الأشخاص الأبريـاء ويخرب الممتلكات الخاصة والعامة باسم الإسلام.

ولا يمكن ترك الفرصة تمر دون توجيه البوصلة نحو بعض الأوساط في الغرب، التي تتمادى بين الفينة والأخــرى في توجيه الرأي العام نحو الإسلام، بالرهان على الإساءة إليه والمس بصورة محمد صلى الله عليه وسلم، وهي لا تعلم أن ما تقوم به من حماقات ومغامرات لن يزيد الإسلام إلا قـوة وحضورا في المشهد العالمي لأن له ربا يحميه ويضمن له ملكة الصمود والتأثير والإشعاع والانتشـار، ولن يزيد الرسول الكريم إلا حبا وتقديرا وإعجابا مهما كره الكارهون وعبث العابثون، وبدل توحيد قدراتهم لمهاجمة الإسلام وهدر الزمن للمــس بصـورة رسوله صلى الله عليه وسلم عبر رسومات غاية في التفاهة والسخافة، ندعوهم لوضع مسافات آمنة مع الديانات التوحيدية الثلاث (اليهودية، المسيحية، الإسلام) ومعاملة جميــع الأنبياء والمرسلين بما يستحقون من وقـار واحترام وتقدير، بعيدا عن كل أشكال التطرف أو الإقصـاء، ومن مازال منهم تجره حماقته ليتطاول على الإسلام، فلن نسبـه أو نحط من شأنه أو نقلل من قيمته أو حتى نهدده بسـلاح المقاطعة، بل ندعــوه ولو للحظة أن يميز بين الإسلام وممارسات بعض المسلمين، أن يقترب من هذا الدين الذي ختم به الله عز وجل الديانات التوحيدية، أن يتأمل في قيمه ومبادئـه وسماحته، أن يخصص حيزا من وقتـه، ليتعــرف عن قرب عن سيـرة رسول أرسله الله هدى ورحمة للعالمين ويتأمل في ما تزخر بــه هذه السيـرة من شمائل وقيم وأخلاق.

ندعوه أولا للتعرف عن الديانة التي يتمادى في مهاجمتها وعلى الرســول الكريم صلى الله عليه وسلم الذي لا يجد حرجا في الإساءة إليه، ومن الخجل أو التعصب أو الوقاحة أن يقدم الكثير من العابثين على مهاجمة ديانة سماوية وهم لها جاهلون، ومن غير الإنصاف أن يتمادوا في الإساءة لرســول يفصلهم عنه ما يزيد عن أربعة عشر قرنا دون أن يكلفـوا أنفسهم عناء الاقتـراب من سيرته العطرة، وإذا كان ما يقدمون عليه من حماقات وانــزلاقات يضعونه في خانة “حرية الرأي والتعبير”، فحريتهم هي حرية “معاقة” و”مرتبكة”، لأنها تمـــس بحرية الآخرين، وإذا كانــوا يرفعون يافطة “حقوق الإنســان”، فحقوقهم “بئيسة” و”منحطة” و”فاقدة للبوصلة” لأنها تسيء للأديان وتعتدي على المقدسات والرموز الدينيــة، وتحتقر الشعوب وتتطاول على الثقافات وتغذي مشاعر الحقد والعــداوة والكراهية والصدام بين الأمم والشعوب، إذا كانـوا لا يجدون حرجا في مهاجمة الإسلام، فهذا الديــن بسلامه وسماحته يجعلنا كمسلمين نؤمن بكل الديانات التوحيدية وننظر إليها نظرة احتــرام، كما ننظر إلى جميع أنبيـاء الله ومرسليه بما يستحقـون من محبة وتقدير ووقــار، وليس في قاموسنا الديني شيء اسمه الإساءة أو التطاول على الأنبياء والرسل كما يصنــع بعضهم بكل وقاحة وانحطاط قيمي.

ونحن نعيش أجواء ذكرى المولد النبوي، نعتبرها فرصة سانحة لنوجه رسالتين عبر هذا المقال، الأولى “رسالة وحدة” موجهة إلى زعماء وقادة العالم العربي والإسلامي، ندعوهم عبر سطورها وكلماتها إلى الوحدة والتعاضد، بتقدير فاتورة عقود طويلة من التفرقة والشتات والخلاف والعناد والقلاقل، التي لم تكــرس إلا المزيد من الضعف والهوان والتواضع والتطاول والانبطاح، وحسن استثمار الذكرى العطرة لمد جسور التقارب والتلاقي، استحضارا لما يواجه مقدساتنا ورموزنا الدينية من حملات ممنهجة من طرف بعض الحاقدين على الإســلام ورسوله صلى الله عليه وسلم، واعتبارا لما نتقاسم من رهانات وتحديات مشتركة في مجال عالمي لا يؤمن إلا بالوحدة والتكتل. والثانية “رسالة سـلام” مبعوثة إلى كل الذين يسكنهم هاجس مهاجمة الإسلام والإساءة إلى رسوله صلى الله عليه وسلم، ولهؤلاء نقول بأحرف بارزة: مهما تطاولتم على ديننا وعلى رسولنا صلى الله عليه وسلم، لن نهاجمكم أو نحاربكم أو ننزل إلى ما نزلتم فيه من بـؤس قيمي، سنظل أوفيـاء محترمين لكل الأديان متعاملين مع جميع الأنبياء والمرسلين بما يستحقون من الاحترام والتقدير والوقــار كما دعانا إلى ذلك “الإسلام” الذي تحاربونـه، مهما حاولتم الإساءة إلينا أو الاعتداء على حقوقنا ومقدساتنا، فلن نواجهكم إلا برسالة المحبــة والأخوة والسلام، لأننا إخوة في الإنسانيـة ومن أب واحد وأم واحدة، كما نـص الدين الذي لا تستحيـون في التصدي له على ذلك، سنظل محبين لكم ولغيركم، وستظل اليـد ممـدودة لكم ولغيركم مهما اختلفت بكم السبل، سنبقى حاملين لكم وللعالم رسالة الأخـوة والمحبة والتعاون والتضامن والعدالة والمساواة والســلام والطمأنينة، فهذا هو “الدين القيم” الــذي ما فتئتم تحاولون مهاجمته والتصــدي له، وماعدا ذلك من تصرفات، فليس منا والإســلام منها بريء، ونختم بتهنئــة كل المسلمين عبر العالم بمناسبة المولد النبوي، على أمل أن تحضر سيرته العطرة في كل سلوكياتنا وممارساتنا، وأن تكــون الذكرى فرصة لتجاوز أسباب التفرقة والنفور والتشرذم، والجنوح نحو “وحدة” تتحقق معها شروط النهوض والرقي والازدهـار، وكل عام والأمة العربية والإسلامية بألف خير.

[email protected]