مولود شريفة – لم ينجح الإنسان حتى الآن في إنتاج ما يسوس به تجليات الاجتماع على الأرض، ولم يوفق في تنزيل أي من الأديان بالوجه الصحيح الذي يتناسب مع جوهر الوجود المتمثل في إعمار الأرض بالحياة الآمنة المطمئنة، والتي تتيح وحدها فرصا هائلة للتأمل والتعبد وتضمن الفوز بالوعد الإلهي، لتبقى الديمقراطية لوحدها على مدى آلاف السنين تتصدر كل اقتراحات التدابير الممكنة لهذه الحياة، وذلك نظرا لانفرادها بالقدرة على استيعاب التعددية الفكرية والدينية والثقافية، وامتصاص ارتدادات الاختلاف، ولأنها تحمل في ثنايا جوهرها ضرورة الانفتاح على الآخر وقبوله بما هو شكل ثان للأنا، وشريك لا غنى عنه في بلورة المشروع الكوني العظيم (الأمن الشامل)، والنظام الأمثل للحياة والأكثر سلامة واستدامة، وضمانا للاستقرار والازدهار. فهي سقف التفكير لكنها ليست نهايته.

فرغم كل هذه الأديان السماوية والوضعية، وهذه الإبداعات الفكرية العظيمة والمتنوعة، ورغم هذه المشاريع السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية الكبرى التي عرفها التاريخ الإنساني، لا زال الألم والحزن والأسى منتشرا عبر الزمان والمكان، ولا زالت الصراعات الأكثر دموية قائمة بين الأفراد والجماعات، والرعب يجثم على صدور النوع الإنساني فيجعلها تضيق؛ ولا زالت الدناءة والفضاعة تشكل خدوشا معيبة في محيى الأرض، وأمام هذا الفشل الكوني في إشاعة الأمن والسلام، استسلم الإنسان لتعبه وبدأ يبحث عن مخرج يشرعن من خلاله هذا الوضع غير السليم، فانحرف خطأ نحو التفسير بأن ذلك يدخل في صلب الهندسة الإلهية للكون، وضرورات للتوازن الطبيعي، وبقي سجين ذلك مكتفيا بمحاولات التأقلم، من أجل مواساة الذات، فكانت النتيجة أن تففن في تدمير الطبيعة والحياة بكثير من السادية والمازوشية غير المبررة في غالبيتها.

إن الجوهر في جميع الديانات، وفي الإعمال الصحيح للفكر هو السلام والحياة الكريمة لجميع أفراد النوع، وتوجد في الكون كل العناصر والظروف التي تضمن ذلك، وزود الإنسان بأعظم معالج على الإطلاق ليستعمله وحده في تناول ما قد يجد أمامه من متاهات وعقبات وتحديات لا متناهية، وما وضع رهن إشارته من مادة خام، ثم تحرضه على التأمل والبحث، وتدعوه إلى عدم الكف عن السؤال، وإلى الشك بغية اليقين، وإلى ضرورة التأقلم والتكيف في الطبيعة ومعها، وإلى البحث عن الينابيع المتجددة والدائمة التي تغذي الأبعاد المكونة للأساس الذي تنبني عليه شخصيته (البعد البيولوجي، البعد الفكري، البعد النفسي، البعد الاعتقادي)، في أفق امتلاك القوة بجميع أشكالها وفي جميع تجلياتها كعنصر واحد ووحيد ينفرد بقدرته على ضمان التماهي التام مع ناموس الطبيعة المتمثل في غريزة حب البقاء.

لقد كان الإنسان في بدايات وجوده – نظريا على الأقل – جماعة صغيرة في مكان ما، ثم بفعل التكاثر وحب الاستطلاع، والبحث عن الغذاء، وربما دواع أخرى، انتشر مهاجرا على سطح الكوكب، لسنين لا تعد ولا تحصى، وتدخلت عوامل موضوعية وذاتية اختلفت وتنوعت معها الألسن والألوان وأنماط التفكير، ثم تكونت حضارات، ثم حضارات على أنقاض أخرى، وظهرت أديان ينسخ بعضها بعضا، وتتصارع على استقطاب الإنسان وتعبئته. لكن وبقوة الأشياء، ضعف التواصل وبقي مقتصرا على مستوى خطوط التماس بين تلك الجماعات. لكن وبفضل تطور الفكر الإنساني بسرعة لم يعرف التاريخ نظيرا لها، عاد الإنسان يكتشف من جديد عددا هائلا من أبناء فصيلته، يتقاسمون معه الكوكب الأزرق، ويتقاسمون أيضا حدا أدنى من القيم والأحلام والطموحات، لكنهم يختلفون بشكل متفاوت في تمثلاتهم للواقع ورؤيتهم للوجود، وفي تموقعاتهم بالنسبة للكون وللآخر. وكانت الحالات القصوى لهذا الاختلاف تصل حد التقاطب، نتج عنه اتساع في الهوة الفاصلة بين الأقطاب، وتباعد حد الإنكار المتبادل، فتوفرت ظروف نمو خلايا الصراعات التي – ما إن اندلعت – حتى دخلت في حركة توليدية لا متناهية استحال معها التحكم في الوضع والرجوع إلى الحالة السابقة له.

لنرجع إذن إلى ما قبل الدخول في مرحلة الانعراج، قبل المفترق الذي جعل بني الإنسان مختلفين متباعدين، متناقضين متقاتلين بشكل رهيب، يتنكرون بعضهم بعضا، إلى قبل أن يشكل العرق والدين واللون والحضارة والثقافة معايير للاختلاف، لنرجع إلى مستوى الحد الأدنى المشترك الذي يؤمن الإجماع المطلق حوله، إلى قبل أن تتوافر ظروف نمو بذور الضغينة والإقصاء والنظر إلى الذات والآخر بعيون غير طبيعية، إلى حيث خلت المعاجم من النعوت والمشتقات والأفعال التي تحيل على السالب في الأشياء والأحداث والأفكار، لنرجع إلى حيث يعتبر الآخر شكلا لوجود “الأنا”، ونركز التأمل هناك حيث كان الجانب الروحي يغمر الجميع بنفس المستوى كما وكيفا.

حينها لم يكن الإنسان متروكا إلى العدمية، لأنه لا عدم مع الوجود، بل كانت هناك أخلاق وصدق وإخلاص، وكانت حياة روحية عظيمة، لا تفتح مجالا للمزايدة لأن الكل يهتم وينعم بها بنفس القدر ويزيد. فكانت تربط بشكل سلس وناعم بين كون الإنسان منتهيا وفي نفس الوقت لانهائيا، مؤقتا وخالدا، نسبيا لكنه مطلق؛ فكان هذا الحد الأدنى والعظيم في حد ذاته، لا يمنع الإنسان من الامتداد نحو اللانهائيانية، (مثلا من خلال التأمل في النجوم وتدبر شساعة الكون) مما يعطيه إدراكا عميقا بالوجود الفعلي في قلب الغموض المهيج للسؤال، ولا يمنعه أيضا من الارتباط بالزمن وبالخلود من خلال الإمساك بالحاضر؛ هناك كان الانسان موهوبا بجانب روحي عظيم، لكن الكل متفق حول الغموض الكبير الذي يكتنف الوجود، فكان السؤال الميتافيزيقي الوجودي الجوهري الذي يشغل الجميع ويؤرقهم هو: كيف ولماذا هناك وجود بدلا من العدم؟ وحيث إنه لم يكن هناك جواب مقنع للجميع، أصبح مبرر الغموض قائما، ومدعاة لرفع التحدي الممتع لرصد كل ما من شأنه المساعدة في تعقب الحقيقة المحتملة، وذلك من خلال عدم ترك هامش الاستثناء أمام نشاط الفكر الجبار القاهر فوق كل شيء، هنا بالضبط انقسم الإنسان إلى ديدنين، أحدهما اعتقد في وجود خالق للوجود، خفتت عنده حدة السؤال وانتهى لديه التاريخ، والآخر لم تتوقف عنده التساؤلات عن التوالد، ولم يقتنع بعلة غير واضحة لديه للوجود، لكن الكل بقي متفقا على أنه في قلب الوجود وفي قلب الغموض وفي قلب اللانهاية والخلود والمطلق، فوجد الإنسان نفسه منتهيا لكنه مفتوح على اللانهاية، زائلا لكنه منفتح على الخلود، نسبيا لكنه مرتبط بالمطلق، فكان أن قبل الإنسان بهذا الانفتاح الذي أعطاه معنى للوجود النوعي. فاقتضت بذلك الحياة الروحية اللزوم، أي لزوم حياة الخلود من خلال الحاضر، فتصديقا لسبينوزا، الإنسان باستمرار “يحس ويجرب أنه خالد” هنا والآن، من خلال الأبعاد الثلاثة التي تعطي إمكانية وجود روحي للحياة والتي تتمثل في الأخلاق والزهد (أو التصوف) ثم المحبة التي بدورها تنفرد بإكساب حياة الإنسان ذوقا ومعنى وقيمة،

هنا التدين والإلحاد كانا رتقا قبل أن يقوم الإنسان بفتقهما بسبب الدغمائية والأصولية والتعصب والظلامية المفرطة والتطرف والغلو، وقبل فتق هذا الرتق، لم يكن المشكل في الحدود بين المؤمنين وغير المؤمنين، بل بين النزوع نحو الحرية والانفتاح والتسامح من جهة، وبين التعصب والتطرف من جهة أخرى، وكلتا هاتين الصفتين كانت موجودتين عند الطرفين معا.

هناك وفقط هناك، كان مشروع السلام قائما وممكنا جدا وفي متناول الجميع لأنه يشكل جوهر كل الأديان ومطلب العقل السليم. ولأنه الوحيد الذي يتيح للإنسان فرصة الاستمتاع الأقصى بهذه الحياة، والتوجه كليا إلى العمل على تضافر الجهود والتعاون من أجل التفكير الجمعي في سبل التخفيف من وطأة الآلام الكونية.

ولكم وللعالم السلام.

[email protected]