بقلم نورالدين حنيف

سأقرأ أعمال الفنان ( رائد أبوزهرة ) في عالمه الموسوم بمحاورة الأبعاد في تجليّاتها الزئبقية المنفلتة باستمرار من قبضة التشيؤ و هي التي تشتغل أساساً على مقولة التشيؤ .

يشكل الجسد حساسيةً فنيةً قائمة بذاتها داخل النسق الثقافي العربي ، و فيه يتجاوزالممارسة التقليديّة الذاهبة مذاهب الشخصنة و الواقعية التي تفضح الجسد داخل أقانيمه المعلومة و المُقولبَة في قياس المألوف المشروط بالتمثلات الشعبية و الوجدانية الحاكمة لرؤية المُشاهد . في عالم ( رائد أبوزهرة ) يغيب هذا التمثل و يحضر فعل الخرق و التجاوز لمنسوب ما يسمى بالبورتريه ، المؤطّر لحركية المنحوتة و الآسر لتسرّباتها خارج المعنى ، و المُستدْعي دائماً نظرية المحاكاة .
يرفض الفنّان النحّات ( رائد) أسطورة الإطار ، كما يرفض تعليب محتواه الخشبي في قوالب صارمة في موت ، و ميّتة في صرامة ، لأنه لا يعكس الجسد الموجود في الطبيعة ، و إنما يصنع الجسد الكامن في مخياله الخاص ، و القادر على محاورتنا في ثوابتنا التاريخية التي صنعت علاقتنا بالمشهودات ، و أطّرتْها و أملت عليها مجموعة من التمثلات تحوّلت بفعل تغَوّلها إلى قناعات .
إن تجربة الفنان ( رائد ) لا تغمس أصابعها في نحت المحاكاة حيث الجسد الذكوري أو الأنثوي الإغريقي العاري الماتح جماليته من هذا العري و تفاصيله و ظلاله المحافظة على قوانين التناسب في مقاييس الجسد البشري.
و رغم صلابة مادة الخشب المشتَغَلِ عليها ، فإن المبدع ( رائد ) استطاع أن يحوّل الملمسَ المُتاخِمَ لهذا التماس من مجرد مقولات خامية عَرَضية غير مُطوّعة إلى عوالم نحتية تتكلّم بلغة الرؤيا خارج أحكام الفراغ والكتلة والحجم والضوء والظل واللون . و هي اللغة الفنية الجامعة لمختلف الطاقات الكامنة في مادة الخشب ، و القادرة على تحريك الجماد في دينامية تصل بين قطبين :

  • قطب الجهد العضلي من لدن النحّات و هو القطب الذي تُغيّبُه مرجعية الفنان و هو يمارس تشكيل الخشب و إعادة إنتاجه خارج عنصر البداهة . و فيه يبدو المبدع ( رائد ) ممتلكا لعنصر السلطة المعنوية بحيث يتبدى تحكمه في مسار المادّة و براعته في اختيار هذا المسار .
  • و القطب الثاني يتبدّى خشبا منفصلا في أول المطاف عن جسد المبدع ، فإذا هو من صميمه و من كيانه . و فيه تغيب المسافة و تُردمُ على اعتبار أن العامل الأساس في هذا الرّدم هو قوة الرغبة الدافعة و التي يمكن اختزالها في استحضار عنصر الجمال . هذا الأخير دافع قوي في التعامل مع المادّة و في تطويعها و قيادتها القيادةَ الرشيقة .
    في منحوتات المبدع ( رائد ) لا يحضر الجسد الإنساني الواقعي . لأن همّ النحات هنا ليس همّا تسجيليا يروم قطف التصفيقات القريبة و المجانية و التي تنتهي صلاحيتها بانتهاء مواسم البهرجة … و إنما يروم التخييل المجنّح و العالي الصبيب و المخاطب في القارئ للمنحوتات قدرته الكامنة على استجلاء المعنى و اللامعنى و تأويلهما في اتجاه الخلق لا في اتجاه التكرار و النسخ و إنتاج الشبه . خذ أيها المشاهد أيّ منحوتة من منحوتات هذا المبدع و تأملها جيداً تجد كل شيءٍ فيها ينضح بالجمال الماكر لا الجمال المسَطّح الذي يُسْلِمُ ذاته إلى القارئ في أول تماسّ .

يتجلى الجسد في هذه المنحوتة قدراً راغبا في التحليق و التخلص من جاذبية الأرض ، بغير أجنحة . و يتجلّى أيضا جسدا لا يمتح تناغمه من تناسب أعضائه ، هروبا من سلطة المحاكاة ، و روماً جليلا لبداية تنظيرية أكثر انسجاما مع نسغ الحداثة الفارضة أنساقها على المبدع . إن مساحات التأويل هنا ماكرة بحيث تبدو واسعة لكنها مورّطة في التأويل اللامشروط و العائم و المتسيّب في استخلاص الدلالات القريبة و البعيدة . من هنا ضرورة الحذر من الانزلاق في قراءة المبدع ( رائد ) الذي يمدّنا بمادّة نحتية ماكرة تغري بالقول فيما القول فيها مشروط باستحضار شروط وجود المنحوتة داخل سياق أكبر هو انتماء المبدع للسيرور ة العربية المحكومة بالنقصان . من هنا : نقصان الجسد أعلاه و بتره البتر الجمالي المتكلم بألف دلالة .
يبتعد ( رائد ) عن المسار الكلاسيكي الذي يحاكي فكرة الجمال . لهذا ندرك عمق المنحوتة قبل شكلها ، و ندرك حجم صرختها و هي تروم الإقلاع عن الثابت المسجي تحتها و القاضي بقدر الالتصاق . و لا أظن أن قارئا سيخالفني الرأي في أن الجسد عنا يصرخ بغير لسان ، إذ تكفينا تلكم الانحاءة المُمِضّة كي نقرأ الصراخ ، و كي نقرأ ذلكم التماهي المقهور مع الطائر المكسور .

و الجسد هنا لا يمثل ذاته في كلّيته المتواضع عليها في ثقافة التشيؤ ، بقدر ما يمثله الجزء منظورا إليه لا في وظيفة الاختزال ، و إنما في وظائف السؤال القهري و الوجودي و المفعم بالسخرية البانية . و أكاد أجد المبدع القدير ( رائد ) يستوحي لحظة التفكير المندغمة في عنف الخروج من الشبه و التكرار إلى الفرادة المتمثلة في استنطاق الأعضاء داخل ثنائية الخفاء و التجلي ، إذ يحدّثنا النحات هنا عن العنق في اختفاء العنق و عن الصدر في اختفاء الصدر و عن اليدين في اختفاء اليدين ، في رؤية فنية تستعمل النحت من منظورات ثلاثة :

منظور التعبير عن الحضور بالغياب و منظور التعبير عن الكل بالجزء ثم منظور المساءلة المسندة إلى المتلقي كي يستكمل بنحته الذهني مصوغة النحت ( الرائدي ) الذي يتميز في موسوعة هذا المبدع بالنفاذ إلى منظومات الجسد داخل منطق الدائرتين : دائرة المبدع و دائرة المتلقي .
و تكاد اللوحة تنحت الرأس فيما الرأس غائب بما يشي بأن المبدع ( رائد أبوزهرة ) واحد من النحاتين الكبار الذين لا يقفون عند عملية النحت المباشر المستند على المادة ( الخشب ) و إنما يتجاوزون ذلك إلى نحت الفكرة أو ما أسميه بالنحت الذهني ، على اعتبار أن المنحوتة نصٌّ لا يكتمل في تجلّيه إلا بحضور وعي المتلقي الذي ينحت هو بدوه هذه الأعمال و هو يمدّ الإبداع بمزيد من الأسئلة الحارقة و المولِّدة .

يتحرك الخشب في سيمياء الحركة البانية لنسق فكري متخم بالجراح . و فيه يعتمد المبدع ( رائد ) على حصاد العقل في تجميع شروط الرقص في هذا العمل . إنها رقصة الأنثى في تمايل جسدها في كبرياء مجروح ، يحاول تعمية الجرح بخلق امتدادات لهذا الجسد الراقص : في يمين المنحوتة ينبري النهد نقطة متوازية مع حركة الرجل اليمنى في تناغم يضفي على هندسة المشهد توازنا ذهنيا يقابله توازن مادي . و في يسار المنحوتة يخلق المبدع ( رائد) امتدادا ذكيا لحركة اليد الراقصة عبر تحليق العباءة أو بعبارة أخرى عبر تحليق معادل العباءة . فيما الرأس محنيٌّ إلى الخلف في صلفٍ مقبول يتنكر للجرح و لحجم الجرح … و سمّهِ أنت بالجرح العربي و ذاك بالجرح الإنساني و آخر بالجرح الكوني … لا يهم ، بقدر ما يهم أنه جرحٌ و كفى . و يكاد الجسد في هذه المنحوتة يذكرني بقول المتنبي :
لا تحسبوا رقصي بينكم طربا – فالطير يرقص مذبوحا من الألم
تكشف المنحوتات أعلاه و الباقيات الصالحاتُ في رواق المبدع الفاضل ( رائد أبو زهرة ) أن كلّ جزء منها يشكلّ في حدّ ذاته خطابا فنياً يؤسس لمسار جمالي جديد ، فيه يتحرر الفنان من ضوابط النحت الصارمة متحررا من قبضتها ليعبر تعبيرا صادقا عن أسرار الجسد الإنساني داخل تجربة بصرية قائمة بذاتها ، تنعرج بالجسد من تاريخ النحت الحسي الملتصق بالمادّة إلى النحت الذهني المشتغل على المادّة من أجل تجاوزها في أفق إشراك المتلقي في عمليات الصوغ الحجري أو الخشبي أو غير ذلك من مواد النحت .

اشتغل النحات البريطاني العالمي ( هنري مور ) على التجاويف فأفادنا في عمق المحاورة لدواخل المنحوتات ، في نسقية خاصة وسمها النقّاد ب ( الجسد المستلقي ) … و اشتغل ( رائد أبوزهرة ) أيضا على هذه التجاويف فبدا مجدّدا في نسغ هذا الفن باقتدار ، و بأصالة لا تتبع النموذج و إنما تبتكر لذاتها خطا فنيا موسوما بالإدهاش عبر مساءلة الخشب في اختراقه لمفهوم المادّة انطلاقا من تأثيث الفراغ الخشبي بالفراغ المتكلم . و في أول تماسٍّ من المنحوتة أعلاهُ ندرك حضور الجسد \ الأنثى من خلال تموّجات الخشب في عنفوان الحضور الأنثوي الفاتن . و يبقى النّحّاتُ ( أبوزهرة ) كبيرا وهو يستنطق الدوائر الفارغة في جسد المادة انطلاقا عملية التعويض . فالأعضاء الغائبة يتمّ استبدالها بالفراغات الحاضرة ، و إذا كانت الطبيعة لا تقبل الفراغ فإن الفنّان ( رائد ) يحوّل المقولة إلى النقيض ، و يجعل من الفراغات بدائل لهذا الجسد الموسوم بالهرمية ، و العلوية و السموق البشري . الفراغات هنا تقنية ماكرة للتمويه بالحركة : حركة الجسد و حركة تداعيات الجسد ، انطلاقا من الوضع العمودي للمنحوتة .
يمثل هذا المنحى في التشكيل الخشبي رؤية تعبيريّة خياليّة لنحت الجسد ، و فيها سعى المبدع ( رائد ) إلى استنطاق كتلة الجسد بتفاصيله ومكوناته و إلى تحويله إلى بناء تجريديّ عن طريق عملية البتر و خلق التجاويف . و الغريب الجميل أن الحذف في منطوق العادة مدعاة إلى النقص ، لكننا في سياق هذه المنحوتة نتحول إلى حساسية أخرى هي حساسية الامتلاء عن طريق الفراغ . و من ثمّ استطاعت عبقرية هذا النحّات المتفرّد أن تُضخّم التجاويف و الفراغات و تحول وظائفها من السلب إلى الإيجاب .
هكذا استدعانا الموقف النقدي إلى ممارسة بعض القراءة لبعضٍ من عالم الفنّان النّحات ( رائد أبو زهرة ) ، غيضاً من فيضٍ ، وجدنا فيه رؤية خاصة لمفهوم الجسد ، بعيدا عن التشيؤ و الفيزيقية و الواقعية و الانطباعية الواقفة على تخوم التسجيل و المرآتية . يتميز عالم ( رائد ) النحتي بالقدرة على محاورة مادة الخشب في سيمياء الإدهاش عبر سؤالين : سؤال الكينونة و سؤال المادة ، و بالتالي فكل جسد هو مادّة قادرة على الحركة ، و يكفينا أن تنمثل هذه الحركية في تأويلنا للمادة و هي الرسالة الفنية التي يروم المبدع تبليغها في رؤية نحتية فنية قادرة على التميز داخل الزخم النحتي العالمي المتعدد و المختلف و الفارض على القارئ أو المتلقي حظّا من الثقافة كي ينسجم مع الأطروحات الإبداعية العالية الصبيب و المتاخمة لحدود التجريد .