مولود شريفة – لا أدري هل أقول بفضل وسائل الاتصال الحديثة أو بسببها يمكن الاطلاع على الحالة التي يوجد عليها العالم بشكل لم يسبق له نظير، إنها حالة غليان أقرب إلى الحماقة منه إلى الصواب، تتناقض فيها الأحاسيس حد التقاطب، وتتهاوى فيه صروح الأخلاق من أساسها، ويعاد بناؤها وفق ترتيبات الفكر الحديث، فضاعت الحقيقة وأصبحت تكتسي حالة التعقيد، لأن نسيجها انبنى على تشعبات لا حصر لها من أوجه المعرفة الإنسانية، وعلى تجزيئاتها المفرطة، فيه ما هو اقتصادي واجتماعي وديني وسياسي ونفسي وديمغرافي وغيرها، فتجاوزت الاختلافات حد الرحمة كعتبة لإمكانيات التعايش، وأصبح الإنسان أمام تحديات لا متناهية أجبرته على إعادة النظر فيما كان يعتبره حقائق أو مقدسات بعدما اقتنع بالوجود الدائم لزوايا أخرى متعددة لتمثل الواقع، وأنه لا ينفرد بالضرورة باكتساب تلك الحقائق، فتنازال اقتناعا أو كرها أو نفاقا عن عناده وتشيعه للتطرف، وتوجه إلى البحث عن الطرق والوسائل والأفكار البديلة التي تضمن له الاستمرار في البقاء، لأنه فهم أخيرا أن الحياة هي المطلب الأسمى الذي تشترك فيه كل عناصر النوع، واطلع على مدى التضحيات المقدمة من أجل ذلك.

لم يفلح الإنسان بعد في إنتاج ما يسوس به أشكال الاجتماع على الكوكب أفضل من الديمقراطية، ولم يوفق في تنزيل أي من الأديان بالوجه الصحيح الذي يتناسب مع جوهر الوجود الذي يتمثل في إعمار الأرض بالحياة الآمنة في كل مظاهرها، والتي تتيح وحدها فرصا هائلة للتأمل والتعبد وتضمن الفوز بالوعد الإلهي، فبقيت الديمقراطية لوحدها على مدى آلاف السنين تتصدر كل اقتراحات التدابير الممكنة للحياة، وذلك نظرا لانفرادها بالقدرة على استيعاب التعددية الفكرية والدينية، ولأنها تحمل في ثنايا جوهرها ضرورة الانفتاح على الآخر بما هو مرآة تعكس شكل الوجود، وشريك لا غنى عنه في بلورة المشروع الكوني العظيم (الأمن الشامل)، واعتبار وجوده ثراء حيويا يضخ دماء جديدة في جسم الفكر الإنساني، ويحقق التباهي الفعلي بغريزة التكاثر، وتشكل كثرته تكاثفا فكريا، وغنى وغزارة في الموارد الفكرية التي من شأنها تغذية البحث عن الحلول للإشكالات المحتملة.

إن الحوار الديمقراطي هو وحده الكفيل بتحقيق التقارب والتكامل بين أطراف التناقض، في أفق الإجبار الاقتناعي على التنازل المتبادل عن الحالات القصوى للتطرف، ومن ثم تغيير المسار في اتجاه التفاعل والاندماج في مساحات التقاطع، مع عدم النظر إلى الآخر باحتقار ودونية وتعالي، وهو الكفيل أيضا بتدبير كل تمظهرات الاختلاف ـ على سبيل المثال ـ بين أهل الدين الذين يأخذون ـ خطأ ـ بلا صوابية المساواة بين المؤمنين الذين هم على الطريق القويم وبين الملحدين الضالين لهذا الطريق، ومنه فإن ضرورة سيادة الدين تدخل ضمن تجسيد إرادة الله، وبالتالي فمن واجب الدولة في هذه الحالة، باعتبارها المالك الوحيد للعنف أو للقوة الشرعية (MAX Weber)، التدخل من أجل ضمان ذلك، ثم بين اللا دينيين الذين يرون بأنهم غير مجبرين على الامتثال لما هو خارج عن إطار قناعاتهم، لأن الدين في نظرهم هو “وهم خطير”، وهو “أفيون الشعوب”(K.Marx)، وبالتالي فمن واجب الدولة التدخل بذات القوة الشرعية في نشر الإلحاد ورعايته؛ هنا وفي كلا الحالتين، وكما أثبت دائما التاريخ ذلك، تكون الدولة في وضع السفينة السكرانة (Arthur RIMBAUD)، مثقلة وليس لها بوصلة وهي تحت رحمة تجاذب التيارات، فتظهر مساحة خلاء خارج السيطرة توفر الظروف لنمو أفكار أصولية عنيدة ومتعصبة أو عنصرية عنيفة، أو أفكار سلطوية في تصورها للحياة الاجتماعية، تحدث شروخا وتصدعات في جسم المجتمع؛ لكن تجدر الإشارة إلى أن الأمر قد يكون فيه من السهولة ما يفرض قبوله إذا كان طرفا الصراع واضحين في طرح تصوراتهما، حيث تحصل المواجهة الفكرية المباشرة المبنية على معرفة الخصم، في حين يتسم الوضع بالخطورة عندما ينهج طرفا الصراع استراتيجية أكثر مكرا كشخصية (Tartuffe) عند موليير، أو الذئب في الحظيرة (Loup dans la bergerie).

العقل الإنساني القاهر القادر على كل شيء أنتج الديمقراطية كأحسن الترتيبات التوفيقية المعقولة لحد الآن لحل هكذا إشكال، فهي وحدها دون غيرها التي تقدر على ضبط العلاقة بين الديني واللا ديني في مقاربتهما للسياسة، ورسم الحدود الواضحة والمحتملة بينهما، وهي الضامنة لعدم استعمال القوة بشكل مفرط لفرض ما لم يكن الفرد ليقتنع به لولا تلك القوة، وتبقي بالتموضع على نفس المسافة بين الجميع، وتضمن عدم التدخل لدعم جزء من المواطنين على حساب الآخرين، ولا لتغليب الديني على اللا ديني ولا العكس، وتؤمن عدم مباشرة التمييز بين الأفراد بناء على أفكارهم ولا انتماءاتهم ولا ثقافتهم في تقلد الوظائف والاستفادة من خدمات المؤسسات، ولا تكون الاختلافات معايير تؤثر على مردودية الفرد ولا على كفاءته، وتكفل للجميع الحق في الالتزام أوعدم الالتزام تجاه اعتقاد معين، على أن تسمو سلطة القانون الذي يشارك في صياغته الجميع من خلال المشاركة الفعالة في الحياة السياسية؛ وبالموازاة مع ذلك تكفل الديمقراطية فرص الحوار المتواصل، والتناظر والمحاججة اعتمادا على العقل وعليه وحده درءا للقوة في شكلها الضعيف (العنف)، وبغية تحقيق الانسجام التام من خلال الدخول الإرادي إلى هذه الجهة أو تلك، أو التعايش الجميل مع الإيمان بأن الأرض تتسع للجميع طالما لم تشتك يوما من الازدحام الذي يخيم على القلوب، هكذا يكون الإنسان في صلب ممارسة الحرية بما هي “إمكانية القيام بكل ما يسمح به القانون” (J.J. Rousseau).

لكن تبقى العبقرية أكبر، والعقل في أوج عطائه، والفكر في أبهى لحظات الصحوة، عندما نلمس النوذج الفريد الذي يجمع بين الدين الوسطي كركيزة أساسية في بناء الدولة على مدى قرون عديدة، وبين الاختيار الديمقراطي الذي ينبني على التأقلم والتكيف المتبادل بين الخصوصيات وباقي الأشكال الديمقراطية الكونية، هذا النموذج الذي يجسد وجودا واعيا نوعيا وثراء في المشهد الكوني الرائع.

ولكم وللعالم السلام.

مولود شريفة

[email protected]