إن أي تغيير نحو الأفضل والأرقى وأي تطور ايجابي في حياة المجتمعات، هو نتاج مجموعة من العوامل و المحفزات تعتبر إرادة الشعوب من أبرز و أول هذه العوامل، فمن دون هذه الإرادة الشعبية لا يمكن حتى لأكبر القادة و أكثرهم إخلاصا و رغبة في التطور إنجاز هذا التقدم بدون إرادة واعية من لدن الشعوب، فهي الشريك الأقوى لإحداث التغيير الايجابي، وبالمقابل نجد أن توفر إرادة الشعب الجامحة للتغيير حاسمة في إحداثه، حتى و إن خالفت هوى الحكام في ذلك، أما إن توافق الاثنان فأنعم به و أكرم من توافق نحو الرقي والازدهار، المهم أن الإرادة الشعبية لها دور بارز و حاسم للغاية، و هذا ما عبر عنه الشاعر أبو القاسم الشابي رحمه الله حين قال.

إذا الشعب يوما أراد الحياة           فلابد أن يستجــيب القدر

و لابد لليل أن ينجلـــــــــي             و لابــد للقيد أن ينكسر

ما يعني أن غياب هذه الإرادة و موتها، يجعل الليل ينسدل و القيد لا ينحل، وهذا للأسف ما نجده في مجتمعاتنا إلا من بعض مبادرات حسنة لا نبخسها حقها، و إلا فالجميع قد استسلموا لسبات عميق وافق وللأسف الشديد سبات المسئولين و إن كان هؤلاء يعرفون المرحلة ويعون المعضلة، لكنهم متقاعسون قد غفلوا عن الأمانة، وهذا التوافق السلبي هو ما يجعل المعضلة أكثر صعوبة.

ولكن كما قلنا آنفا، فإن تأثير المسئولين لا يعدو أن يكون تأثيرا محدودا بالقدرة و الزمن، إذ المفروض أن زمن الحكام محدود ومنتهي، أما زمن الشعوب مستمر لا ينقضي، يضمنه تعاقب الأجيال و توارث العادات والأفكار، وقدرة الحاكم كذلك محدودة بما يملكه من صلاحيات وما يتعرض له من ضغوط متنوعة تفرضها الاكراهات المحيطة والمتغيرات الدولية لمصلحة القوى العظمى، أما إن كان من ذوي النفوس الدنيئة و ما أكثرهم في زماننا، في أمتنا العربية، فإنه يتوافق مع هذه الضغوط و يبرر تخاذله.

لكن هذه الشعوب في أيامنا باتت خانعة مستسلمة للهزيمة النفسية قبل الواقعية، فأصبح الجميع يخلون مسئولياتهم فيما آلت إليه الأوضاع من ترد و تأزم، فلا يبادرون إلى الانخراط في ركب التغيير بدعوى أن هذا الأمر هو من صلاحيات الحكام والمسئولين، وهم وحدهم من يستطيعون أخذ زمام الأمر بهذا الشأن، و هم وحدهم الفاعلون، ولكن ماذا لو كان هؤلاء يستحلون الوضع باعتبار أنهم الرابح الأكبر على الأقل بمقاييس الدنيا، فالثروات عندهم مكدسة و الجاه و السلطة لهم، فماذا عساهم يريدون أكثر من هذا؟ وكيف لمن له كل هذا أن يسعى للتغيير نحو الأفضل؟ وماذا سيغير؟ لا أراه إن نهض للتغيير إلا معرضا نفسه لفقدان الثروة والجاه،فأي إرادة قد تتوفر عند هؤلاء؟ وهم لا يكادون يحسون بمعاناة الفقراء. وآهات الأرامل و أنين الأيتام و آلام المرضى، فعالمهم غير عالمنا على الإطلاق، قصورهم غير دورنا المتواضعة، مستشفياتهم الدولية الراقية غير مصحاتنا التي تفتقر لأبسط شروط الصحة، آمالهم في تكديس الثروات غير آمالنا في العثور على مسكن متواضع وعمل قار يضمن لقمة العيش، سياراتهم الفاخرة غير حافلاتنا المدمرة حيث يخيل للمرء  وهو يمتطيها أنه في حرب، خاصة مع الطرق المخربة، أسواقهم   الممتازة المكيفة وما فيها من خضر لامعة و أشربة متنوعة، غير أسواقنا المكتظة حيث ينتشر النشل، وتحت وهج الشمس الحارقة و الأوحال حتى الركب أثناء المطر، وقد لا يبقى في آخر السوق إلا بعض الخضار العفنة و الرديئة، مسابحهم الفاخرة و النقية الباردة، غير البرك الراكدة التي يطفئ فيها أطفالنا الصغار حر الشمس الملتهبة، مدارسهم الخاصة والتي يتنقلون إليها بأفخر السيارات أو قد تنتقل إليهم أن أرادوا، غير مدارسنا النائية و حجراتنا الدراسية المخربة و التي يلزم أطفالنا في بعض الأحيان كيلومترات عديدة للوصول إليها

طرقهم في تحصيل حقوقهم الزائدة أصلا لديهم، فهم محتكرو الحقوق، غير طرقنا في المحاكم والتي تستلزم سنوات طوال من المتابعة و أموال باهظة للاستئناف وذلك دون جدوى في كثير من الأحيان، جامعاتهم الخاصة في الداخل و الخارج، والتي مصاريف الدراسة فيها في الشهر تفوق مصاريف معيشتنا في السنة أو ربما في مدى العمر، غير جامعاتنا المكتظة حيث يدرس أستاذ واحد 1200 طالبا و أكثر، هذا إن كان يحضر بانتظام.

و ما هذه المتقابلات المتناقضة إلا غيض من فيض مما يحضرني اللحظة، فبالله عليكم هل يمكن أن يتواءم العالمين يوما ويتوافقان فيعمل الواحد منهما لمصلحة الآخر،  إذ كيف لعالم يعيش أصحابه في السماء و لا ينزلون أبدا، أن يحسوا بمن يعيش في الأرض بل في باطنها؟ كيف لأغلب هؤلاء المسئولين أن يحسوا بمشاكلنا فبالأحرى حلها، فهم لا يحسون بشيء مما نكابده و هنا استحضر المثل المغربي”ما حس بالمزود غي لي مضروب به”.  وهكذا يتبين أن التعويل على هؤلاء هو كمن يعتمد على السراب، بل التغيير يجب أن يأتي منا في انسجام مع الثوابت الوطنية المتعارف عليها، إذ يجب أن نفكر نحن و خاصة الفئة المتنورة و التي نجت من براثن الأمية و اللاوعي. الأحرى أن ندبر نحن بأنفسنا تقرير مصيرنا عن طريق وعي شامل أولا، و انخراط كلي و شمولي في فعاليات المجتمع المدني لتهيئ الشعوب وتربيتها على الوعي بحقوقها و كيفية المطالبة بها بشكل سلمي وحضاري، ثم تلقين أطفالنا الصغار رجال الغد أبجديات النهضة الواعية و بناء المستقبل والتغيير نحو الأفضل و فرض إرادة الشعوب الايجابية

وبهذا سينجلي هذا الليل بإذن الله، و سينكسر ذلك القيد، و تطلق الطاقات للبناء والتشييد عبر شخصية مواطنة متكاملة، قوية تلتقي عندها الرغبة الجامحة في بناء حياة كريمة في هذا المجتمع مبنية على العدل و المساواة و الحرية المنضبطة و الكرامة المستحقة.