لا تخلو بعض المواقع الإلكترونية الموصوفة بُهتانا بـ”الوطنية” من بعض ”المقالات” الهجومية الرديئة التي لا تمت لمقتضيات قانون الصحافة المغربية بأي صلة، ولا بأخلاقيات الإعلام المواطن والمسؤول والواعي، وهذه المنشورات غالبا ما يكون كُتابها مراهقين فكريا، أو يُعانون اضطرابات سيكولوجية عميقة لا يستطيعون التنفيس عنها ولا عن المكبوتات المَرضية المرافقة لها إلا ببذل الجهد في تحقير الآخرين وإذلالهم، أو بإهانة مناطق معينة من المغرب العميق بأقوال حاطة بالكرامة الإنسانية، ومستفزة لمشاعر الآلاف من المواطنين والمواطنات. 

    من أمثلة ذلك ”مقال” للمدعو ”ياسين الضميري” منشور على الموقع الإلكتروني ”هبة بريس” يوم السبت 27 دجنبر 2014، تحت عنوان : تيغسالين .. قرية تحكمها النساء و يعشقها الغرباء ويكرهها رجال القضاء ! على الرابط التالي:www.hibapress.com/details-34605.html ، مؤداه الأساسي: (اشتهار تيغسالين من جهة بالجنس ودور الدعارة وتأمين الفضائح، ومعاناتها من التهميش والإهمال الذي طالها منذ زمان، وفقر الآباء وجوع الأبناء ومعاناة النساء .. وأن بلوغ البلدة، من جهة أخرى، ليس بالسهولة بمكان، بفعل التضرر الكبير للطريق الوعرة المؤدية إليها لعديد الأسباب، بحيث تعج بالمنعرجات الخطيرة و حفر الموت في كل شبر منها إلخ)  !

    وسندلي بما تيسر لنا من الملاحظات اللاذعة عن هذا ”المقال” في إطار الرد المضاد، على مستوى الشكل كما على مستوى المضمون.

 من حيث الشكل:

    يتضمن ”المقال” أزيد من 21 خطأ مرتبطا بمواضع الهمزة باختلاف أشكالها وأنواعها، فـ”صاحبنا الصحفي” لم تُسعفه مراهقته الصحفية المتحذلقة في تفادي أخطاء لغوية كارثية، فتراه مثلا يُسقط همزة القطع حيث ينبغي أن تثبت مثلما الشأن في لفظتي: ”اهمال” عوض ”إهمال”، و”انقاد” (وهي بالذال وليس بالدال) في محل ”إنقاذ”، ويخلط بين همزتي القطع والوصل كما في كلمة: ”إستعرضوا” بدل ”استعرضوا”، ويحذف الهمزة في عديد الكلمات من قبيل: ”الى، اصحاب، ازقة، احياء، الاسباب، الاطلس، المفاجات، تطا، اليك، انك، انت، اكثر، الاحرار… فضلا عن عدم إلمامه بأحكام مد البدل، ومثال ذلك : لفظتا ”أنذاك” و ”أمنا” على التوالي في مكان ”آنذاك و ”آمنا”، ثم جهله الكبير لأحكام تنوين الهمزة المتطرفة كما في كلمة: ”غطاءا” التي كان يُفترض أن يكتبها بدون ألف في الأخير “غطاء”، وقس على ذلك أخطاء إملائية أخرى…

    ولا يقتصر الأمر على هذا النوع من الأخطاء الجسيمة فحسب، بل يتعداه إلى الزلازل في صياغة الأساليب الركيكة والتراكيب المهزوزة، ذلك أن اللسان العربي الفصيح يقول: “تعيش في براثن التهميش، ومنذ زمن”، وليس يقول: “تعيش براثين التهميش و مند زمان” ! لأن فعل ”عاش” فعل لازم على الأغلب الأعم، كما أن ”بُرثن” تُجمع أساسا في كلمة “براثن” وليس “براثين” (بالياء) الغائبة في ما توفر لنا من المعاجم، و”مند” تكتب ”منذ” هكذا بالذال وليس بالدال، والأمر نفسه ينطبق أيضا على الخطأ الوارد في عبارة ”رجال هاجروا القرية”، فالأصح أن يُقال ”رجال هجروا القرية” من فعل “هجر، يهجر”، أو أن يُقال ”رجال هاجروا من القرية” من فعل ”هاجر، يهاجر” إلخ.

    والحقيقة أن أهمية هذا ”المقال” تكمن ،في نظري، في كونه أماط اللثام، لكل القراء والمتتبعين، عن الضحالة الفادحة لثقافة صاحبه وعن تدني مستواه المعرفي الفج، وعن تدهور ذكاءه اللغوي إن كان له ذكاء أصلا، في مهنة يُفترض فيها امتلاك ناصية اللغة العربية قبل الخوض أو المغامرة بكتابة المقالات أو حتى مجرد التفكير في هذا الأمر، وذلك ما لم ينتبه إليه “صاحبنا الصحفي”، فسقط في الفضيحة، فضيحة التتويج بلقب ”أسوأ كاتب في الصحافة الإلكترونية” منذ ظهورها.

من حيث المضمون:

     القارئ الحصيف لـمضامين هذا ”المقال” النشاز، سيستشعر بلا ريب شدة الحقد الدفين و حدة العداء المقيت الذي يُكنه هذا ”الكاتب” المبتدئ لقبائل ”إشقيرن” ولمركزها تيغسالين، بحيث يُحاول أن يظهر، كما يبدو، بمظهر الإنسان اللطيف الوديع الذي يحسب نفسه أنه يسدي خدمة جليلة للمنطقة عبر حديثه المهترئ عن مشاكلها، معتقدا هو ومديره (استنادا إلى الحوار الذي دار بيني وبين مدير النشر) أنه سيرفع عنها التهميش عبر التشهير وسلاطة اللسان، وأنه سيُخلصها من كل الشرور والقلاقل مثلما يفعل ”السوبرمان” في أفلام الكارتون أو”ليكولوك” في أشرطة ”الكوبوي”، فما كان منه إلا أن جعل من البلدة مجرد وكر للدعارة والجنس والفقر والجوع … وهي تمثلات متقادمة وأكاذيب واهية، أكيد أن نشرها مؤدى عنه بمقابل مادي، وهي لا تعدو أن تكون خيالات أو أضغاث أحلام، لا أساس لها من الصحة نهائيا كما سنبين بعد قليل.

    أولا، ”الدعارة” -عموما- ظاهرة اجتماعية ملازمة لكل المجتمعات البشرية عبر الأزمان والعصور، وتختلف أسباب ظهورها وعوامل استمرارها وانتشارها باختلاف المجتمعات والأمصار والثقافات. وهي بالنسبة للمغرب معضلة بنيوية حقيقية تتحمل الدولة النصيب الأكبر فيها، فأضحت بذلك نشاطا شبه منظم خصوصا على صعيد كبريات المدن السياحية، في ”الكازينوهات” و”الكباريات” والعلب الليلية، بل وفي أحياء بكاملها، تمتهنه أعداد هائلة من ”بائعات الهوى” المهاجرات من مختلف مناطق المغرب بدون استثناء، وكل واحدة منهن لها “مبرراتها” وظروفها التي دفعتها لامتهان هذه “الحرفة”، مكرهات غالبا تحت دوافع الفقر والمشاكل العائلية والتفكك الأسري، والجهل والأمية إلخ، كما أن حل هذه الإشكالية المؤرقة ليس بالأمر الهين أبدا.

    أما في تيغسالين ومنذ سنين خلت، فالحقيقة غير ذلك قطعا، ويمكن الجزم بأن نسبة هذه الظاهرة بلغت درجة الصفر تماما، بفضل النضال العتيد لشرفائها الذين قضى بعضهم حينا من الدهر داخل زنازن السجون دفاعا عن شرف البلدة، وبفضل حزم مسؤوليها المحليين الذين ”طهروها” مما لحقها من الفساد الممنهج منذ التسعينيات من القرن الماضي، وطبعا برغبة مُلحة من كل سكان تيغسالين الأطهار في العيش في أجواء مُفعمة بالاحترام والعفاف والحشمة والوقار.

    ثانيا، موقع تيغسالين في قلب الأطلس المتوسط، الاستراتيجي، جعل منها مركزا وملتقى لا محيد عنه للطرق الوطنية الرابطة بين كل من فاس ومراكش والراشيدية وغيرها، فكيف يعقل إذن أن تكون الطريق المؤدية إليها ”وعرة ومليئة بحفر الموت في كل شبر منها” مثلما يدعي صديقنا ”الصحفي” ! فهذا أمر غير منطقي، ويكفي لمن لم يزر المنطقة أن يُشغل خدمة “Google Maps” على الأنترنت ليكشف بنفسه حقيقة حالة الطرق، ويجول في أرجاء البلدة ويستأنس بما شهدته من تغييرات جذرية على مستوى البنى التحتية والأزقة والشوارع والمساحات الخضراء، ويتمتع بجمالية البلدة ودفئها بعد أن أصبحت مثالا للجماعات القروية الرائدة على المستوى الوطني، ويدرك في النهاية حقيقة نوايا “صاحبنا” المُعتل بالحسد والبغضاء والغل.

    ثالثا، مبدئيا الفقر والجوع والهجرة من أجل العمل ليست عيوبا، كلا! مطلقا، بل إن العيب كل العيب هو ابتغاء ”السبق الصحفي” بالتبخيس والتقزيم والإذلال والإهانة، أو بسرقة الصور والفقرات الصحفية من هنا وهناك جراء العوز الثقافي والعجز الفكري لصياغة أشباه ”المقالات” وادعاء براءة إنتاجها وأصالة إبداعها، طمعا في حفنة من الدريهمات المعدودة، التي لا تختلف طريقة تحصيلها وسوءها عن طريقة استخلاص وسوء أموال ”بيع العُهر والهوى” في سوق النخاسة.

    ثم إن تيغسالين ليست بهذه البشاعة التي وصفها بها “صاحبنا”، كلا! بتاتا، فعن تهمة الأبناء ”الجياع” القدحية نقول له بأن أمثاله من الجوعى الذين يلهثون إما وراء المال بكل الوسائل غير المشروعة والملتوية، أو لضمان موطئ قلم لترهاتهم المقززة على صفحات بعض المواقع الإلكترونية الرعناء والمتعفنة، (له نقول) تستطيع أبسط أسرة في البلدة أن تُؤويه وتكسوه وتُشبعه ما لذ وطاب من اللحوم والألبان وأنواع الخبز الطري الذي لم يسبق له أن ذاقه ولو مرة في عمره، ولا أن رآه في منامه حتى، مدة ما شاء أن يُقيم. والجوع نوعان: فأما جوع الأمعاء، فالقليل من الأكل البسيط يكفي لسد الرمق، وأما جوع القلب، الذي يعاني منه “الصحفي”، فلا تملأه أموال الدنيا بأكملها، لأنه ببساطة، يعصف بالروح، روح الحساد والحاقدين، فلا ينفع معه لا بلسم ولا دواء، وصدق الشاعر إذ يقول : ومن ذاق جوع القلب *** فمن أين يشبع !

   إليك وإلى أمثالك ممن في أفئدتهم مرض، أتوجه بما يلي:

     تيغسالين خاصة، والأطلس المتوسط عامة، مهد المقاومة الباسلة ومعقل المناضلات والمناضلين الأحرار والفرسان الشرفاء، الذين ذادوا عن بلادهم ضد غطرسة الاستعمار، وضحوا بدمائهم الطاهرة وأموالهم الحلال وأرواحهم الزكية لينعم أمثالك بالحرية والاستقلال والكرامة في كل نقطة من المغرب الحبيب.

     تيغسالين مقام الفن الأمازيغي التليد، شعرا رصينا وموسيقى من عمق الطبيعة  وفولكلورا راقيا وفروسية مقدامة، ومع هذا الفن الجميل يحضر الجود الكرم والسخاء وإكرام الضيف والإيثار من طرف الأناس الطيبين، مثلما تتمظهر كل قيم الخير والنبل الضاربة في أعماق التاريخ.

     تيغسالين كذلك، بلدة العلماء والمثقفين، بلدة المحاضرات والندوات والملتقيات، بلدة المواهب والمتفوقين في شتى المجالات، بلدة الليالي الرمضانية القرآنية والذكر الرباني، وحفظ القرآن ذكورا وإناثا، شيبا وأطفالا وشبابا، بلدة الإفطارات الجماعية الرمضانية، بلدة الإحسان لليتامى والفقراء والمحتاجين وعابري السبيل…

     تيغسالين، بلدة السياحة الهادفة، بطبيعتها الخلابة، ومناظرها الساحرة ومناخها الرائع… إنها الحياة بكل معانيها السامية…

    ختام القول: “كل إناء بما فيه ينضح” ! وشخصية “الصحفي الفاشل” موضوع الكلام شخصية سادية وعدوانية، لأنها نضحت لغوا ساقطا يسعى لاستفزاز الآخرين وتعنيفهم معنويا ورمزيا ونفسانيا بالكلام المنحط والبذيء، حتى ولو اقتضى الأمر إلقاء الكلام على عواهنه كذبا وزورا وافتراء، فإلى متى سيظل أمثال هؤلاء  يعيثون فسادا في مواقعهم الإلكترونية دون رقابة ولا محاسبة ولا أخلاق ولا علاج نفسي حتى؟

    ” ألا لا يجهلن أحد علينا، فنجهل فوق جهل الجاهلينا”.