أثارت “شربة ماء” عابرة قدمها عبد الله بووانو، رئيس فريق العدالة والتنمية، لميلودة حازب، رئيسة فريق الأصالة والمعاصرة، خلال جلسة برلمانية سابقة، عندما كانت تنتظر عودة رئيس الحكومة إلى مكانه بعد مكالمة هاتفية أخرجته من القبة، “أثارت” نقاشا سياسيا حول دلالات هذا التصرف.

تصرف بواونو، والمحسوب على “صقور الحزب الأغلبي”، أفضى إلى نوع من “الاستغراب” من قبل برلمانيي المعارضة، في حين اعتبره البعض سلوكا سياسيا يرمي إلى توسيع الشرخ الموجود بين المعارضة البرلمانية، خاصة بربطه بتصريحات سابقة لقيادي في حزب الاستقلال.

وكان عادل بنحمزة، الناطق باسم حزب الاستقلال، قد صرح في الندوة التي نظمها في الشهر المنصرم مركز هسبريس للدراسات والإعلام، أن حزبه يجد تحالفه الاستراتيجي مع “الكتلة الديمقراطية”، رغم أن الحزب يوجد حاليا بالمعارضة إلى جانب حزب الأصالة والمعاصرة.

وذهب آخرون إلى أن تقديم “شربة ماء” من قبل بوانو إلى حازب، هو أحد المؤشرات على وجود رغبة في تحالف حكومي مقبل، خاصة أن الحزبين الغريمين لا يزالان يحافظان على تماسكهما الداخلي، ولا يعانيان من تصدعات داخلية مكشوفة في وسائل الإعلام، كما هو حال أحزاب الحركة الشعبية والاستقلال والاتحاد الاشتراكي.

مؤشرات التقارب

وبالإضافة إلى “شربة ماء”، والتي اعتبرها البعض أحد المؤشرات للتحالف بين “المصباح” و”الجرار”، هناك مؤشرات أخرى على إمكانية التقارب فالتحالف، بدليل حوار صحفي تحدث فيه عزيز رباح، وزير النقل والتجهيز واللوجستيك، عن إمكانية التحالف مع “الأصالة والمعاصرة” خلال المرحلة المقبلة.

وقال رباح، في ثنايا الحوار، إن “مقياس التحالف هو سلوك الحزب ومصلحة البلد”، مضيفا أن “تدبير المعركة مع حزب سياسي يكون على قاعدة السلوك السياسي والانتخابي لهذا الحزب، لكن ليس قدر الحزب أن يستمر على السلوك نفسه”.

وهناك مؤشر آخر يتمثل في خفوت التجاذب السياسي بين الحزبين، والذي تراجع أو انعدم في الشهور القليلة الماضية، فزعماء الحزبين الخصمين قللوا من لغة الصدام والانتقاد، وأحيانا السباب الجارح، ما انعكس على وسائل الإعلام المقربة من الحزبين، وفي مواقع التواصل الاجتماعي.

ويشر مراقبون إلى أن شعبية حزب العدالة والتنمية، وفق استطلاع جريدتي ليكونوميست وهسبريس، لم تتضرر كثيرا، فيما “الأصالة والمعاصرة” يعتبر أول حزب نشيط في الدبلوماسية الخارجية، حسب دراسة أجراها “المركز المغربي للأبحاث وتحليل السياسات”، بالإضافة إلى سعيه الحثيث في بناء هياكله التنظيمية بشكل قوي ولافت.

ويظل السؤال المحوري حول أهم نقط الخلاف بن الأصالة والمعاصرة والعدالة والتنمية، فهل هناك خلافات إيديولوجية واقعية؟ أم هناك خلاف حول مشروع اجتماعي؟ أم أن هناك عوائق سيكولوجية أكثر ما هي إيديولوجية ظهرت إبان الحراك الاجتماعي خلال سنة 2011.

استبعاد التقارب

الهبة عدي، عضو المجلس الوطني للأصالة والمعاصرة، اعتبر في اتصال مع هسبريس، أن إمكانية التحالف، أو أي تقارب، أو التقاء بين العدالة والتنمية والأصالة والمعاصرة “غير ممكن الآن وسابق لأوانه على المدى المتوسط أو القريب، لأن أسباب الاختلاف لازالت قائمة”.

“العدالة والتنمية”، حسب عدي، “لا زال يمزج بين الدعوة إلى الله وإرادة الحكم وتدبير الدولة، أي استعمال الدين، كمجال غير قابل لمنطق الصراع والتنافس والتدافع، وكمشترك إنساني بين كل المغاربة، واستعماله في السياسية كفضاء لتدبير الصراع والاختلاف اللا متناهي بين الاجتماع البشري”.

ويمضي الباحث في تفسيره لنقطة الخلاف بين الحزبين، والمتمثلة في توظيف الدين الإسلامي كآلية لحسم الصراع، بالقول: “في التاريخ السياسي المغربي المعاصر لا يمكن لأي فاعل سياسي أن يؤسس لمشروعيته عن طريق الجمع بين السلطة السياسية الزمنية المؤطرة بالقوانين الوضعية والسلطة الدينية، سوى المؤسسة الملكية وإمارة المؤمنين.

من جهته، استبعد خالد الرحموني، عضو الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية، أي تقارب بين حزب “البام” و”البيجدي” بسبب أنه “لم يستجد في ساحة العمل العام والسياسي أي طارئ نوعي ولا جديد فارق يستدعي البناء عليه للخروج بخلاصة أن العدالة والتنمية في غزل أو هدنة مع الأصالة والمعاصرة”.

وأضاف الباحث في العلوم السياسية، في اتصال مع هسبريس، أن “الأصالة والمعاصرة” لا زال “يعاني من خطيئة النشأة الأولى التي لم يتبرأ منها بعد، بحسبانه ذراعا للسلطوية في المغرب الحديث، وكيانا نشأ في رحم الاستبداد لحظة كانت ترافق أفكار مؤسسية نزعة البنعلة”.

ويشرح “منشئو الحزب استلهموا نموذجا في السياسة والتدبير، قادما من تونس على عهد بنعلي، كصيغة لهندسة المشهد السياسي من أعلى، ومصادرة كل المنتج الحزبي ذي الجذور الشعبية والوطنية لصالح فكرة النجاعة الموصولة بالاستئصال والتدمير، وتجريف الحياة السياسية والحزبية خاصة”.

وإن كان الرحموني عقد مقارنة بين حزب الأصالة والمعاصرة وحزب بنعلي، ويقصد به الحزب الدستوري الديمقراطي، على عهد الرئيس التونسي السابق زين العابدين بنعلي، الذي أطاحت به ثورة الياسمين، فإن الإشارة هنا ضرورية إلى حركة النهضة التونسية التي أبرمت تحالفا مع القائد السبسي.

السبسي ظفر بانتخابات تونس، عن طريق حزبه الجديد “نداء تونس”، وهو المصنف إعلاميا كونه محسوب على الحرس القديم في تونس، فلماذا نحرم ما هو حلال في تونس؟ أم أن الأمر يتعلق بعقبات سيكولوجية ليس إلا؟.

في جوابه عن السؤال اعتبر الرحموني أن هذا الموضوع لا يعدو كونه يتعلق “بنزعة إسقاطية في السياسة تريد سحب ما وقع في تونس، عشية الانتخابات التشريعية والرئاسية في العلاقة بين النداء والنهضة، ومحاولة إجراء ذلك التمرين في التحليل على المغرب، من خلال إحداث التماثل بين النهضة والعدالة والتنمية، والنداء والبام”.

وأضاف المتحدث أن هذا التحليل “فيه تجنِّ وتعسف وعدم وعي بالسياق الخاص لكلي التجربيتن، فتونس مرت من ثورة وانتقال ووفاق قوى سياسية، أما المغرب فنموذجه قائم على إصلاح في إطار الاستقرار، وإعادة تموقع جديد للقوى السياسية والحزبية في المشهد الجديد”.

تراجع خطاب المواجهة

الحديث عن احتمالات التقارب والالتقاء بين الحزبين الغريمين تظهر من خلال انخفاض وتراجع حدة المواجهة السياسية المفتوحة بين الحزبين، والسبب برأي عدي “يرتبط بالسياق العام للبلاد ومتغيرات الساحة الدولية، ولأسباب ذاتية ترتبط بحسابات وانشغالات الحزبين والدينامية الداخلية لكل حزب على حدة، وخصوصا لدى العدالة والتنمية”.

ويضيف المتحدث إن “العدالة والتنمية، المنتمي إلى دائرة الإسلام السياسي الصاعد في العديد من البلدان العربية بعد سقوط العديد من الأنظمة، والذي سرعان ما انهار أمام ضرورة إعادة بناء الدولة وقوة المطالب الاجتماعية والسياسية المشروعة للشارع، أصبح أكثر اقتناعا بحتمية الاعتراف بالوجود لحزب الأصالة والمعاصرة كفاعل سياسي”.

ومقابل ذلك، يرى الرحموني أن هذه الإشارات ليست “دالة على تحول نوعي في اتجاه التقاء ظرفي أو تحول جوهري في الموقف، باعتبارها تدخل في العلاقات الإنسانية والاجتماعية العامة بالمغرب التي تتسم بخصوصية أن الخصومات لا تصل إلى درجة القطيعة”.

وأشار العضو في حزب “المصباح” إلى التعزية التي تقدمت بها كل العائلات الفكرية والسياسية لحزب العدالة والتنمية في وفاة الفقيد عبد الله بها”، مشددا على أنه “لا يجب ترتيب أي نتيجة سياسية ولا تحليل زائد عليها إلا بإدراجها في سياقها الطبيعي”.

“نفس الشيء ينسحب حول تقديم بوانو شربة ماء لرئيسة فريق “البام” في الجلسة الشهرية، ربما يحسبه البعض إشارة رمزية ودلالة موحية لنمط من العلاقة السياسية جديد، لكن تلك الإشارات تدخل في الصلات العلائقية والإنسانية الشاردة والخاصة” يقول الرحموني.

خلاف حزبي

ويظل السؤال المركزي: أين تكمن قوة حزب “البام” وأين تكمن قوة حزب “البيجدي”، وهل الخلاف سياسي أم إيديولوجي أم سيكولوجي؟..

الهبة عدي، الباحث في العلوم السياسية، يعتبر أن حزب الأصالة والمعاصرة بات “يشكل قوة سياسية في المشهد السياسي، ويتولى قيادة المعارضة السياسية على مستويات متعددة خصوصا على المستوى البرلماني وكذلك على مستوى التنسيق في ملفات عديدة”.

وتابع “أصبح الحزب يشكل قوة سياسية قادرة على طرح العديد من الملفات والأسئلة المقلقة والعميقة، والتي طالما أخذ منها جل الفاعلين السياسيين مسافات بعيدة، واعتبرت في حكم الطابوهات الاجتماعية والسياسية والثقافية، على رأسها مثلا مسألة الكيف بمناطق الشمال، ثم ملف الغازات السامة بالريف، وقضية الأمازيغية وعقوبة الإعدام”.

ويضيف المتحدث ساردا مظاهر المنجزات لحزب “البام” التي حققها في المرحلة الراهنة، “هناك منجزات كبيرة حققتها الدبلوماسية الحزبية لحزب الأصالة والمعاصرة في العديد من المحطات الدولية، كالقضية الفلسطينية والدفاع عن القضية الوطنية في العديد من الدول والمنظمات، كالاتحاد الأوروبي ودول أمريكا الجنوبية”.

ولهذه الاعتبارات وغيرها بات “من الضروري على حزب العدالة والتنمية أن يتجه نحو إعادة قراءة علاقته بحزب الأصالة والمعاصرة، وبناءها وفق متطلبات المصلحة العليا للوطن، وليس بمنطق الهيمنة والسيطرة و الإقصاء” يقول الهبة عدي.

وأما الرحموني، فيعتبر أن أهم المنجزات لحزب “البيجدي” تتمثل في “حفاظه على شعبيته رغم كل ما شهده الصراع السياسي والاجتماعي في البلد، من محاولات متكررة لنسف التجربة الحكومية وتعطيل العمل من داخل المؤسسات الدستورية داخل البرلمان وخارجه”.

وبالعكس، يضيف المتحدث، فإن تشكيلات المعارضة تعاني أزمة بديل ومصداقية وفعالية، المعارضة بفعل نهجها في إدارة الصراع مع الحكومة والعدالة والتنمية بالتحديد تعاني أعطابا جسيمة ووقعت في مطبات أتت على عنفوانها ولياقتها وهددت حضورها السياسي”.

ومقابل ذلك يرى عدي أن نجاح الأصالة والمعاصرة “دخل في تحد من أجل استكمال بناء تنظيماته الحزبية جهويا وإقليميا ومحليا وهياكله من قطاع نسائي وطلبة ومحامون وتجار وأساتذة جامعيين وأطباء و صيادلة والحسم في انتماءه النقابي، وكذلك تأسيس فروع للحزب بالعديد من الدول الأوربية”.

هذا النجاح التنظيمي، يضيف الهيبة، “يوازيه تطور نوعي على مستوى الخطاب السياسي والتفاعل مع العديد من القضايا المجتمعية الطارئة على الساحة الوطنية، ويثبت قدرة الحزب على الامتداد داخل البنيات المجتمعية، في وقت أصبح فيه حزب العدالة والتنمية يعاني من تراجع ملحوظ على مستوى شعبيته وجاذبيته”.

خلاف سيكولوجي

وبخلاف من سبقه، ذهب الدكتور محمد البوشيخي، في اتصال مع هسبريس إلى أن الخلاف بين كل من حزب العدالة والتنمية وحزب الأصالة والمعاصرة “لا هو إيديولوجي ولا سياسي بل سيكولوجي”.

على المستوى الإيديولوجي، يعتبر البوشيخي أن حزب العدالة والتنمية لم يعد مقتنعا بشعارات الإسلام السياسي “الإسلام هو الحل”، ولا يدعو إلى “الدولة الإسلامية”، وهذا قدر معظم التنظيمات الإسلامية في فترة ما بات يعرف بـ”ما بعد الإسلامية”.

هذا التحول اعتبره الباحث في العلوم السياسية، “راكمه قياديو الحزب منذ بداية عشرية التسعينات مع اجتهادات كل من سعد العثماني ومحمد يتيم خصوصاً حول مفاهيم الدولة والشريعة وتناولهما النقدي للقراءات التقليدية للتراث”.

“الحزب لم يعد يؤسس خطابه على قاعدة الهوية بل المصلحة الاقتصادية خصوصاً أنه لا يقدم نفسه كحزب إسلامي، بل حزب سياسي بمرجعية إسلامية وهذا يعتبر إقرارا بصعوبة تنزيل المرجعية على المستوى الإجرائي” يورد بوشيخي.

أما على المستوى السياسي، يضيف الباحث، “فإن واقع العولمة التي انخرط فيها المغرب قد قلصت لحد كبير من هامش الفوارق بين الأحزاب السياسية، فبغض النظر عن اختياراتها المعلنة، فإنها تضطر بمجرد وصولها لمواقع التدبير الحكومي إلى تكييف خطابها مع مستلزمات الاتفاقيات الدولية ومقتضيات المصالح الحيوية للمغرب”.

ويخلص بوشيخي إلى أن الخلاف سيكولوجي بامتياز، وهو “خلاف يحتاجه أيضا المشهد السياسي المغربي لإضفاء نوع من الدينامية على مستوى فاعليه، غير أن هذا لا يعني توقع تحالف في الأمد القريب بين الحزبين، لأن الأمر يحتاج بالنسبة لحزب العدالة والتنمية لتهيئ قواعده على قبول أي تقارب مع حزب الجرار، سيما أن الصدمة التي لقيها عدد منهم بعد دخول حزب “الأحرار” للحكومة لا زالت تفعل مفعولها”.