مولود شريفة: خذ من كل العلوم ما هو حق يقين، ما لا يستوي وإياه غير العالمين، وما آمن منه بحقيقة النسبية وبنسبية الحقائق. خذ من الفكر ما هو راجح، منفتح ورصين، ما ينهل من زبدة الفكر الكوني للإنسان؛ وما يفكر به في نفسه وفي كل ما دونه من العالمين. خذ من الفلسفة حكمتها، وحرصها على السؤال، وشكها المؤدي إلى اليقين؛ ثم ما هو منها نقد، ونقد للنقد، ومنه ما للأذكياء من البنائين. خذ من اللغة ما يجعل كل الناس متفاهمين، خذها كلها إذن، واستعملها بما يضمن لك إتقان التعبير، وامتلاك التفسير، وإعمال التفكير، والدفاع عن الرأي في كل المحافل، وضمان قدوم الناس إليك نصرة بالملايين. خذ من الدين وسطيته التي تنجح في الجمع بين كل أطراف الغلو  فيه؛ والجدال منه بالتي هي أحسن؛ خذ عقل الصحاح، وكل تفاسير المجتهدين؛ خذ منه ما توافق والعقل السليم، وما تحاشى التخريف  والهذيان والتخمين. خذ من السياسة الأكثر رعاية للصالح الكوني، والأكثر تعبيرا عن الإرادة العامة، والأكثر امتدادا إلى خارج حدود الوطن، والأكثر راهنية على كسب الصداقات، والتكتلات والعلاقات في كل العالم، خذ منها ما يضمن الوجود والحضور الكوني، والتعبير عن المساهمة في التناغم الجميل مع الرغبة الجامحة في البقاء؛ خذ الأكثر توفيقا بين كل التقاطبات من خلال الاقتناع بمبدأ وجود بذرة صواب في كل ما يعتبر خطأ، حيث يكفي العمل على تنمية تلك البذرة للحصول على رأي متميز بانتمائه المتزامن إلى كل هذه التقاطبات، مع الاستمرار في نقد الغلو المحتمل فيها، بالعقل، وبه فقط، أبدا. خذ من التاريخ مجده، وعصارة تراكماته، وقواعد تطوره، وما تحاشى منه إخفاقاته؛ خذ منه الناجح من تجارب الشخصيات العظام، والمشهور من نظريات نشوء الحضارات وتفاعلها وحوارها وتكاملها، وما أسهم منه بإيجاب في العمران البشري؛ خذ منه العبر التي تمكن من فهم صحيح للواقع من خلال النظرة الواعية إلى الماضي، من أجل استشراف المستقبل، والانتقال إليه وفيه من المتوسط إلى الحسن، أو من الحسن إلى الأحسن بصفر خسائر، وإلا، فبأقلها . خذ من القيم ما كان نابعا من جوهر الإنسان، خذ منها ما لا ولم ولن يختلف حول نبلها إثنان، خذ منها ما جعل تنازع البقاء مبررا، وما بين أن وجود الشر والظلام مرهون بغياب الخير والنور؛ وأن الحياة مرغوبة دون أن تكون بالضرورة على حساب الآخرين.

خذ الكل مما سبق، وغيره مما لم أذكر سهوا أو جهلا أو لعدم سماح الأحوال؛ وحضر الشروط المناسبة للتفاعل والاحتكاك، والاندماج والانصهار، والتجاذب والتراص، وخصص الزمن المناسب لذلك؛ تمهل أو أسرع حسب ما تقتضيه الظروف، وتدخل في اتجاه تحقيق النجاح المحتم. آنذاك وآنذاك فقط، ستحصل على نمط وجود قوي ومتميز، يشكل ثراء في المشهد الكوني، وفي حد ذاته نواة مركزة، صلبة ومتجانسة، بها أكبر نسب التكاثف. ستحس بهذا الوجود الجميل حقا،  وبافتخار وانتشاء ستشعر بالرغبة في تقاسمه؛  ستشعر بالتمغربيت.