في الوقت الذي تغرق فيه الحكومة الاشتراكية الفرنسية في إخفاقاتها السياسية والاقتصادية وكبواتها التدبيرية التي لا تكاد تنتهي.. يجنح أكبر حزب يميني معارض «الاتحاد من أجل حركة شعبية» إلى خوض حروب طاحنة بين زعمائه «الأفذاذ»، مستعملين كافة الأسلحة المشروعة والمحظورة للاستيلاء على كرسي زعامة الحزب الذي سيفسح لهم المجال لخوض الانتخابات الرئاسية في 2017. غير أن حرب الزعامات هذه كان لها نكهة خاصة وطعم سياسي وإعلامي مميز، لأنها ارتبطت بعودة الغريم التاريخي لفرانسوا هولاند، وهو الرئيس السابق، نيكولا ساركوزي، بقوة إلى المشهد السياسي الفرنسي من بوابة حزبه اليميني المعارض، مرتديا جبة «المخلص» والمنقذ الأسطوري لفرنسا وللفرنسيين من الغرق في المستنقع الاقتصادي الذي حفرته حكومة الاشتراكيين.

وهو ما فجر على ما يبدو فضيحة جديدة نشرتها صحيفة «لوموند» التي كشفت في عددها الصادر يوم 8 نونبر الجاري عن تفاصيل لقاء سري جمع في أحد المطاعم «فرانسوا فيون»، رئيس حكومة ساركوزي السابق، وأحد منافسيه على زعامة الحزب اليميني، مع «جويي» السكرتير العام للإليزي واليد اليمنى لفرانسوا هولاند، بهدف الضغط على القضاء لتحريك الملفات القضائية لساركوزي، لقطع الطريق أمام عودة هذا الأخير إلى المشهد السياسي.

هذه الفضيحة السياسية اعتبرتها المعارضة اليمينية من تدبير فرانسوا هولاند، الذي قام باستدراج «فرانسوا فيون» عن طريق مساعده الأقرب «جويي» لكي يورط الحزب اليميني المعارض في «اقتتال» داخلي.

كما اعتبرها الملاحظون خطة محكمة من الإليزي لدفع وسائل الإعلام الفرنسية إلى النبش من جديد في ملفات ساركوزي، لقطع الطريق أمام هذا الأخير وتحويل الرأي العام الفرنسي عن مسلسل فضائح هولاند الاقتصادية والأخلاقية التي لا تكاد تنتهي.. وإلا لماذا سرب رجل يمكن اعتباره الرجل الثاني في الإليزي هذه المعطيات إلى صحيفة بحجم «لوموند»؟ ثم كيف يستطيع السكرتير العام أن يقدم معلومات خطيرة تمس سمعة الحزب المعارض واستقلالية القضاء الفرنسي إلى الصحافة دون إذن ومباركة من رئيسه المباشر؟ ثم كيف يورط «جويي» نفسه ومنصبه ورئيسه في فضيحة سياسية بهذا الحجم، إذا لم تكن لغما تكتيكيا موجها في توقيت معين؟.

وتبعا لهذه الحروب الدونكيشوتية بين يسار فرنسي يستعين على تدبير أزماته بالفضائح السياسية، ويمين غارق في حروبه الطروادية، يظل المستفيد الأول من هذا الوضع الوضيع هو اليمين المتطرف، الذي حول أعطاب وفساد نخب اليسار واليمين إلى فتوحات وانتصارات سياسية، تجلت في فوز الجبهة الوطنية اليمينية المتطرفة في انتخابات البرلمان الأوربي، في ماي الماضي، والبقية ستأتي.