مولود شريفة – «Si j’ai appris une chose au cours de ma vie, c’est que toute notre science confrontée à la réalité apparaît primitive et enfantine et pourtant, c’est ce que nous possédons de plus précieux» A. Einstein.

الحياة بمعناها البيولوجي هي القدرة على التكاثر، والنمو. ومنه فإن الفونا والفلورا (la faune et la flore) هما وحدهما العالمان اللذان يتمتعان بالحياة دون غيرهما من اللامتناهي من العوالم. لكن العقل يعطي لنوع الإنسان قيمة مضافة ومميزة لشكل الحياة، أو على الأقل هذا ما يزعمه الإنسان، لأنني في الواقع لست واثقا من لا عاقلية الموجودات الأخرى، على اعتبار أن الإنسان هو وحده من نسب العقل لنفسه، واحتكره بنرجسية مفرطة أكسبته وهما بالسمو على الكائنات الأخرى، وإحساسا زائفا بالرقي، وفق سلم معياري اصطلاحي متفق عليه (conventionnel)، ونفى بشكل نسبي صفة العاقلية عن عالم الفونا، وبشكل قطعي عن الفلورا وغيرها من المادة، وقسم الموجودات إلى عاقل وغير عاقل، واكتفى بنفي العقل عنها، دون أن يعطيها بالتحديد صفة مناسبة أو مفهوما لغياب العقل، رغم أنه يعلم يقينا أن غياب العقل يعني الفوضى والعشوائية والصدفة والحظ وغيرها من الإيقونات المفاهيمية الفارغة والمبهمة والتي تشكل ثقوبا سوداء في الفكر يلقي فيها الإنسان بفشله. والخطأ الذي يتمثل في الاعتقاد بانفراد الإنسان بالعقل ليس عماءً، بل هو جبن، وكل تقدم إلى الأمام في اتجاه تثبيت عاقلية المادة هو شجاعة، ووضوح في الرؤية وشدة مع النفس وصفاء وتناغم مع الذات. كما أن عدم القدرة على الشك من أجل اليقين والعجز عن طرح السؤال لا يؤسسان للحقيقة، لكن يجب هنا الإقرار بما علمنا إياه Einstein من أن المعرفة لها علاقة وطيدة بالحقيقة لكنها ليست هي الحقيقة بالذات، حيث تبقى الحقيقة الحد الأقصى والمثالي للمعرفة.

لقد سبق أن قلت عبر هذا المنبر أنه عندما يكون كل شيء في الكون في وضعية تأدية وضيفته بشكل طبيعي فإن الكون يكون في حالة انتشاء، ومنه يمكن القول على سبيل المثال أن النار عندما تحرق جسما لا يكتمل معنى وجوده إلا وهو في حضرة النار (كغاز البوتان C4H10 أو الحطب)، فإن كلا منهما (النار والجسم) يتماهى تماما مع ما تقتضيه طبيعة وجوده بحضور الآخر، بحيث يصعب تمثل وجود النار إلا بوجود شيء يحترق، فتكون لدى النار صفة شره الحرق، ولدى الجسم صفة الرغبة وعدم التمنع في أن يكون محترقا، ولا يمكن تمثل الإحساس بالألم الذي ينتج عن فعل الاحتراق إلا من خلال الإسقاط والتقمص اللذين هما عمليتان تختصان بعقل الإنسان المتأمل ولا تهم النار والجسم في شيء؛ ويكون فعل الاحتراق مظهرا نموذجيا من مظاهر الانتشاء بين تلك العناصر وهما في وضعية سليمة تتناسب تماما مع طبيعة وجودهما؛ لكن هذا الإنسان الذي يدعي الانفراد بالتعقل، لم يُوفََّق قبل هذا الوقت في تعقب أثر العاقلية الموجودة في المادة، ولم يستطع أن يفهم أن وجود الماء مثلا هو تجلي واضح للانتشاء الحاصل بين الالتحام العاقل بين ذرتي الهيدروجين وذرة الأكسجين في علاقة مضبوطة جدا بقوانين يستحيل معها تسرب الفوضى والعشوائية، وأن السكينة العميقة التي تغشى الكون هي صلب الانتشاء الأعظم الذي يتبلور من خلال انتظام كل عناصر المادة في علاقات محكومة بقوانين طبيعية عاقلة بدءا من حركة الإلكترون حول نواة الذرة، إلى حركة الكواكب حول الشمس إلى حركة الشمس ضمن ملايير النجوم في المجرة، وحركة ملايير المجرات ضمن الفلك اللامتناهي.

فعندما يرتقي عقل الإنسان إلى مستوى نظرية قاعدة البيانات الضخمة big data في جمع وتحليل ومعالجة المعطيات الهائلة التي تهم كل مناحي الوجود، وعندما يرتقي كذلك إلى مستوى الفهم والتفسير بناء على مفهوم الهندسة الذكية Intelligent Design وعلى الانتقاء الطبيعي la sélection naturelle وعلى الانفجار العظيم big bang وعلى نظرية الفيض، فإنه يلمس غياب العبث، ويحصل له اقتناع داخلي بوجود العقل فيضا في كل شيء وبدون استثناء؛ والقرآن الكريم فيه الكثير من الدلالات التي تنتصر لما أذهب إليه، وإلا كيف يستقيم لغير العاقل من الجبال والطير والرعد والسماوات والأرض وما بينهما أن يسبح للخالق؟ وكيف للنمل والهدهد أن يصدرا كلاما منطقيا في غياب العقل؟ بل إن الآية 44 من سورة الإسراء لا تستثني أي شيء من التسبيح، وحيث إنه لا يمكن تمثل أي تسبيح خارج العقل، فإنه يسهل استنتاج وجود العقل في كل عناصر المادة.

الأمن والسكينة الحاصلان في الكون هما بفضل عاقلية حركة المادة تعقلا متميزا بذاته عن تعقل الإنسان، لكن كل عقل الكون هو فقط قبس من فيض عقل الله.

ولكم وللعالم السلام.

[email protected]