بات من موضات هذا العصر الكثيرة، طلب المساواة التامة بين الرجال والنساء، حتى أن كل من أراد استعطاف نصف المجتمع لصالح مآربه الاجتماعية، الانتخابية أو السياسية يركب هذا المركب وهذه الموجة لتوصله حتما إلى مبتغاه. فأي مساواة هذه ينشد هؤلاء،  وأي عقل ومنطق يدعمها؟ إذا علمنا أن الاختلاف يظهر قبل الوجدان والعواطف والميول في التكوين الفيزيولوجي للرجل والمرأة، بين الذكر والأنثى، وكأنهم بهذا يتحدون إرادة الخالق عز وجل الذي قضى بتكاملية هذين الجنسين في الأساس، حيث تظهر هذه التكاملية فضلا عن إحساسات وعواطف وميول الجنسين المختلفة تمام الاختلاف، في تكوينهما الجسماني الذي يحتضن أحدهما الآخر فيحتويه ويضمه ويكمله،  فعلى مستوى الأعضاء التناسلية مثلا، فكل من عضوي الرجل الذكر والمرأة الأنثى يلتحمان وكأنهما جسم واحد، وكذا جسديهما حين يضم الرجل المرأة  ليكونا لحمة واحدة، فيجد كل منهما كل ما ينقصه عند الآخر، فيكمله ويتممه، لينتجا لنا بقدرة القادر مخلوقا بشريا آخر بعد التلاقح  والتكامل الذي لا يحتمل بديلا أو نشازا.

وقياسا على الجانب الجنسي الجسدي الذي يوضح بشكل كبير التكامل دون المساواة التامة ولا التنافر، نجد الجوانب الأخرى عند الرجل  والمراة يكمل بعضهما الآخر، فعلى مستوى العواطف نجد أن عواطف الرجل كثيرا ما تتسم بالقوة  والشدة والقسوة في كثير من الأحيان، بينما تتميز عواطف المرأة باللطف والحنان أكثر، وعلى مستوى الأدوار نجد الرجل يقوم خارج البيت بدوره في جلب الرزق والسعي في الأرض، بينما تقر المرأة في البيت لتضطلع بأعظم مهمة  وهي تربية النشء وإعداد الأجيال من نساء ورجال، فأي مهمة تلك التي شرفها الله بها  وهي عنها بعد معرضة .  وتكثر الأمثلة التي تثبت أن ما يحكم علاقة الرجل والمرأة وما يربطهما هي علاقة  ومعادلة تكاملية تشاركية  وتعاونية أكثر من كونها صراعا وتنافسا وتفاضلا بغير حق كما تصر مترجلات هذا الزمان إثباته، هذا لو خلقنا الله ثم أرخى لنا العنان أما وقد هدانا سبلنا و وضح لنا كل شيء في كتابه المعجز فلا يعقل منا هكذا أمر، هذا وأن هناك بعض الاستثناءات حيث يمكن أن تقتحم المرأة بعض أعمال الرجال لتديرها بكفاءة، لكن ذلك لا يجب أن يكون على حساب دورها الأساسي.

 وفي تاريخنا وشريعتنا الإسلامية أمثلة عديدة تثبت مشاركة المرأة الفعالة في بناء مجتمعها دون آثار جانبية على أنوثتها و دورها كامرأة.

أما ما ينادي به دعاة النسوية وطالبوا حقوق المرأة  ومساواتها بالرجل فهو ما ينأى عن الصواب  ويشكل تقليدا أعمى لثقافة غربية واردة، الغرب نفسه بات يتبرأ منها وذلك حسب دراسات حديثة قاطعة، فما ينادون به من مساواة الرجال والنساء في الحقوق كالعمل و الميراث و العصمة الخ.. هي أمور أريد بها ضمان توازن الفرص في مجتمع تتساوى فيه النساء بالرجال، فلا تجد إلا أنه قد ترتب عليه الاختلال كله. وهي تجربة قد خاضها الغرب وفي كثير من الأحيان مضطرا، فبعد الحرب العالمية الثانية التي خلفت ملايين القتلى والمعوقين اضطرت النساء والأرامل للخروج إلى العمل، ومن ذلكم الوقت أصبح هذا العمل حقا يطالبن به فماذا كانت النتيجة؟ لقد كانت استلابا كاملا لأنوثة المرأة واستغلالا بشعا لجهدها وجسدها المغري، فأصبحت مجرد شيء، من حيث يضنون أنهم يعلون من شأنها و يبرزون مكانتها في المجتمع،إذ كيف لنا أن نفسر عرض المرأة للملابس الداخلية ضمن مجال الموضة، أو وضعها إلى جانب سيارة فاخرة أو حتى جرار عنيف غير أنها شيء بنظرهم جميل ومثير، وكأنها باقة ورود أو مزهرية تزين المكان، وماذا يكون وضعها في أمكنة الاستقبال في الشركات والفنادق والمحلات غير أنها لوحة أو يافطة بنظرهم جميلة تسترعي انتباه الزبناء فيقبلون بشغف، وحتى لو كانت عاملة في أحد المصانع أو الشركات أو الإدارات العامة فإن ذلك من شأنه أن يؤثر على دورها الحقيقي في المجتمع وعلاقتها مع زوجها،علاوة على أن ما يمكن أن يطرأ عليها من تغيرات فيزيولوجية كالحيض والحمل والنفاس ونقص في الجهد من شأنه التأثير السلبي على سيرورة العمل وكذا جسدها الأنثوي اللطيف، حيث نرى في كثير من الأحيان فتيات لطيفات ورقيقات وقد يكن حديثات الزواج يقفن وسط الطرقات تحت وهج الشمس ينظمن المرور،وهل عدم الرجل بشدته و تحمله حتى تمتهن كرامة المرأة  و يعذب جسدها اللطيف هكذا لقاء بضع دريهمات؟ بينما مكانها الأفضل، وطبعا بعد تحصيل نصيب وافر من العلم يؤهلها لرعاية حقوقها وحقوق زوجها وأبنائها ومراعاة حاجياتهم. وهلم جرا من أمثلة إتعاب المرأة في أعمال هي أولى بالرجال خاصة مع ازدياد البطالة في بلادنا وكل البلدان الإسلامية،  فهل تنتظر تلك العاملة إلا زوجا عاطلا قد ملأت مكانه في العمل لتنفق هي عليه فيختل التوازن، وقد تلاقي من زوجها هذا الغيور المحبط لنفقة زوجته عليه الويلات، أو قد لا تتزوج  وتظل تكتفي من الحياة بالعمل الذي ينهك جسمها فلا تحض منه بغير بضع دريهمات قد تنفقها كلها على لباسها وزينتها، فماذا نالت من حظوظ الحياة إذن؟

 لا أرى في هذا العمل الذي تعبت في طلبه إلا أنه سلبها أنوثتها  ولطافتها،  سلبها راحتها و زوجها وبيتها و قرارها فأي حق هذا؟  و لا ضير، فقد أعلنت رائدات نساءنا وهن نساء الغرب امتعاضهن من وضعيتهن فخرجن في كثير من المظاهرات من دول عديدة يطالبن برجوعهن إلى بيوتهن بعدما جرين طيلة سنوات يطلبن العمل وولوج المرأة إلى مجتمع الرجال ومساواتها معهن، فما وجدت غير امتهان لكرامتها واستغلالها جسديا وعلى كافة الأصعدة، فعادت النساء هناك يطالبن بالرجوع إلى البيت، الرجوع إلى الفطرة، الرجوع إلى حيث لا يعملن إلا بأمر خالقهن وبارئهن “و قرن في بيوتكن “، سورة الأحزاب: الآية 33.  وهنا أسأل: ألم تسمع نساؤنا بالمثل المغربي القائل “سال المجرب لا تسال طبيب” لماذا إذن لا تسألن أخواتكن الغربيات عن تجربتهن المريرة، عوض أن تسألن طبيبكن السعدي من قبل و كل المروجين لهذه الأفكار الغربية الغريبة، حيث تتم المطالبة بالمساواة التامة مثلا في الإرث والعصمة أيضا، ألا يعلمن أن الله هو العليم الخبير” ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ” . الآية 14 من سورة الملك.

إن تفضل الرجل على المرأة في الإرث مثلا، تقابله أعباء عليه تفوق بكثير حقوقه في الإرث فنذكر باختصار واجبه في النفقة والقوامة والمهر ومستلزمات الأبناء، إلى ما هنالك من أعباء. ثم إن جعل العصمة بيد الرجل شرط أن يكون عادلا، له ما يبرره من كون الرجال غالبا من العقلاء الذين لا يتسرعون في الحكم و بالتالي التريث في الطلاق، ورغم ذلك نرى تفاقم الطلاق، فماذا لو كان بيد المرأة؟ لما بقي زواج أكثر من ليلتين تحت سقف واحد نظرا لعاطفة المرأة الجياشة والحساسة و تسرعها في الغالب، وهي وحق الله تنفع بهذه السمات نفسها في جانب آخر من تربية الأطفال ورعاية شؤون البيت.